هل أنا إنسان محدود؟

«إبراهيم» فتى وسيم، توفي أبوه وهو صغير، ولما كبر دفعته أمُّه للمدرسة لكي يحتكَّ بالأساتذة وينهل من معينِ عِلمهم... كنتُ أدرِّسهُ هو وأخوهُ الرياضيات والعربية ... وفي مرة من المرات سألته عن معدله الفصلي فرد بأنَّه تحصَّلَ على 6/10، فاستأتُ لذلك، و جعلتُ أقرعه، فما كان منه إلَّا أن قال: «أنا غبي!».
كانت لهذه الكلمة وقع بغيض لدي، لأنَّهُ ذكَّرني بأشياءَ حصلت لي في الماضي السحيق، وهذه الأشياء هي التي أعاقتني عن أن أبلغ مرادي في الدراسة والحياة، وتلك الأشياء هي التي قوَّضت كل قائم في نفسي، حتى وصل بي الأمر أن أعتقد أنّني إنسانٌ محدود لا خير فيَّ!
أمسكتُ يدَ « إبراهيم» وقلت له في هدوء مؤقت: "لماذا تعتقد أنَّك غبي؟ هل قالها لك أحدهم؟"
استدار «إبراهيم» إلى الناحية الأخرى، وصعَّرَ خدَّه، فأمسكت وجهه ووجهتُهُ ناحيَتي، ومسحتُ على رأسه :"أنت لستَ غبيا، أنت فقط محبط... وما دمتَ معي فسأزيل عنك إحباطك هذا لترجِعَ إلى طبيعتِكَ.."
طلبتُ من الأخوين أن يقولا بصوت مرتفع: "أنا ذكي، أنا ذكي.."
وكانت هذه طريقة ناجعة في دفعِ الإحباط، وإزالته نهائيا من تفكير هذا الفتى وأمثاله.
*
في كتبَ البرمجة اللغوية العصبية (خاصة كتب الفقي –رحمه الله-)، هذه العبارة «احذر أن تخاطبَ نفسك بسوء»، فهذا الصوت الداخلي له تأثير بالغ على العقل اللاواعي، لسبب بسيط أن هذا العقل لا يحْتكِمُ إلى منطق فهو يحتوي العقل الباطن على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك، كما أنه مقر الطاقة الغريزية الجنسية والنفسية بالإضافة إلى الخبرات المكبوتة.
فالعقل اللاواعي يحتكم إلى قوانين عدة،
1- قانون المراسلات:
وهي عبارة عن رسائل بين العقل الباطن والمحيط الخارجي، وهذه المراسلات إمّا تكون سلبية أو إيجابية.
ومثال ذلك: إذا سألت رجلا سعيدا في أسرته عن الزواج. يكون رده كالآتي:
-الزواج راحة لا مثيل لها.
-الزواج متعة، وهناء
-الزواج طاعة للرب، ومَشغلة للنفس.
-أن تكون أبا احساس رائع أريد كل النّاس أن يجرِّبوه...

أمّا إذا سألت أحدا تعيس في حياته الزوجية. يكون رده كالآتي:
-وددتُ لو بقيتُ عازبا.
-النساء كلهُنَّ سواء، لا يوجد امرأة تصلح.
-مسؤوليات الزواج لا تنتهي، ولا أجد الوقت الكافي لأقوم بواجباتي ...

2- قانون التركيز:
والتركيز هنا على شيء دون الأشياء الأخرى، فالذي يركز على الأشياء الإيجابية، سوف يحصل على ما يسره، والذي يركز على الأشياء السلبية سوف يحصل على أشياء تزعجه وتسيئه ..
3- قانون الاعتقاد:
الأشياء التي نعتقدها تتبرمج في مكان عميق من العقل اللاواعي، مما يجعل الشخص يتصرف أوتوماتيكيا (سلبا أو إيجابا)، وتغيير هذا الاعتقاد يحدث بتغيير التفكير الأساسي. كالذي يعتقد أنّه: خجول، أو فاشل أو غبي!
*
وهنا نطرح السؤال:
ما جدوى معرفة هذه القوانين؟
الجواب من وجهين:
1-إنَّ الأشياءَ التي تكلمنا عنها ولم نوضِّح ملامحها هي تلك العراقيل التي كانت توضع في سبيلنا نحو النجاح، بدأ من الكلام النابي الذي يصدر من بعض الآباء، و مرورا باستخفافات الأصدقاء، ووصولا لتثبيطات الأساتذة والمعلمين!
كما أنّها تجعلُكَ على علم بمدى جرم هؤلاء الثلاثة (الآباء-الأصدقاء-المعلمين) ونضيف إليهم المجتمع والإعلام، وبما لهم من تأثير على الحالة النفسية التي قد يؤول لها الطفل، والإنسان عموما..
فكل عقدنا الحالية، هي عبارة عن تراكمات وترسبات لتربية خاطئة، وتنشئة معوجة، لم تظهر نتائجها إلّا في سنٍ متقدمة!
2- إنّ معرفة قدرات عقلك الباطن، والقوانين المتحكمة فيه، ستمكنك من تغيير معتقدات سلبية سابقة، واستبدالها بأخرى جديدة إيجابية، وهذا يحتاج إلى تدريب منتظم، وحمية ضد المثبطات.
فالتغيير الذي ينادي له أصحاب الدعوات التفاؤلية، ويحددونه بمدات زمنية قصيرة، هو ضرب من المستحيل، وهذه حقائق علمية في أنَّ المرء يأخذ وقتا لكي يتغير، لذا كان النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول في بعض أحاديثه:
"لولا أنَّ قومك حديثو عهد بالإسلام ..."؛ فهذا دليل على أن التغيير يأخذ وقته. إما هذا التغيير السريع فيسميه أهل الشأن تحولا، وهذا التحول في حد ذاته تغيير مغشوش يشمل الشكل لا المضمون، لذا تجد أغلبية من يتحولون سريعا ينقلبون على أعقابهم سريعا، لأنّ العقل الباطن يأخذ وقته لكي يتأقلم مع المحيط الخارجي، وهنا هنا يكمنُ الفرق!
لايوجد أي ردود
×