ماهو الرد على شبهة تكرار الفاصلة فى سورة ( القمر و الرحمن ) ؟

أولا تكرار الفاصلة فى " القمر


ولهذا التكرار فى المواضع الثلاثة أسباب ومقتضيات. ففى سورة القمر " نجد العبارة المكررة وهى: (فكيف كان عذابى ونذر

(قد صاحبت فى كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن ، وكان أول موضع ذُكِرت فيه عقب قصة قوم نوح.


وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح عليه السلام ثم انتصار الله لنوح عليهم.

حيث سلَّط عليهم الطوفان.

فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله.

ونجد أن الله نجَّى نوحاً وتابعيه.

ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة وادكار، ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: (فكيف كان عذابى ونذر

(مُصدَّراً باسم الاستفهام " كيف " للتعجيب مما كان ، ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه.

وهى قوله تعالى: (ولقد تركناها آية فهل من مدكِر).

والموضع الثانى

لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد وعتوها عن أمر الله وفى " عاد " هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءاً ونهاية.

قال تعالى: (كذبت عادُ فكيف كان عذابىِ ونذر ِإنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى يومِ نحْسٍ مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر ).


وتكرار العبارة هكذا فى البداية والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام.

مع ملاحظة أن أحداث القصة هنا صُورت فى عبارات قصيرة ولكنها محكمة وافية.

ولم يسلك هذا المسلك فى قصة نوح أعنى قصر العبارات والسبب فيما يبدو لى أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق فى الماء.

وهى وسيلة كثيراً ما تكون سبب هلاك.

فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه.

أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر.


ولعل مما يقوى هذا الرأي

أن هذه القصة قصة عاد وردت فى موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة ، ويختلف معه قليلاً من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل.


جاء فى سورة الحاقة: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسوماً فترى القوم فيها صرعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية).

فإرسال الريح هكذا سبع ليال وثمانية أيام حسوماً مدعاة للعظة والاعتبار.


ومثله: (وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم). (فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا مَن أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ).


فقد بطرت " عاد " نعم ربها عليها.

وغرها ما فيه من أسباب التمكين فى الأرض وقوة البطش أن تبارز ربها ومولى نعمها بالمعاصى ، فأهلكها الله بما لا قبل لها به.

وفى كل موضع يذكر القرآن فيه قصة هؤلاء ، تأتى عباراته قوية هادرة واعظة زاجرة.


جاء فى موضع آخر: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التى لم يُخلق مثلها فى البلاد )

وكانت عاقبتها خسراً وهلاكاً مع من طغى فى الأرض بغير الحق: (فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد).

أما الموضع الأخير الذى ذكرت فيه هذه العبارة: (فكيف كان عذابى ونذر)

فحين قص الله علينا قصة " ثمود " ، وقد جاءت فيها كذلك مهيئة لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع. ولفت نظره إليها: (فكيف كان عذابى ونذر* إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر) .


ومن هنا ندرك شدة اقتضاء المقام لهذا التكرار.


فليست إحدى العبارات فى موضع بمغنية عن أختها فى الموضع الآخر.

إنما هو اتساق عجيب تطلبه المقام من الناحيتين: الدينية والأدبية.

من الناحية الدينية حيث تحمل المومنين على التذكر والاعتبار عقب كل قصة من هذه القصص ،

ومن الناحية الأدبية لأن العبارة: (فكيف كان عذابى ونذر)

تأتى عقب كل قصة أيضاً لافتة أنظار المشاهدين إلى " كنه " النهاية وختام أحداث القصة.


وقد مهد القرآن لهذا التكرار حيث لم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهى كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف " الراء " مع التزام تحريك ما قبلها.


وذلك هو نهج فواصل السورة كلها. وقد أشاع هذا النسق الشاجى نوعاً من الإحساس القوى بجو الإنذار

كما أن الطابع القصصى هو السائد فى هذه السورة. فبعد أن صور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة الجديدة. وبَيَّن ضلال مسلكهم. وقد كان الرسول (حريصاً على هدايتهم فى وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضاً عنه.

وما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التربية خاصة تربية الأمم تستدعى تأكيد الحقائق بكل وسيلة ومنها التكرار الذى لمسناه فى سورتنا هذه ؛ حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.


تكرار آخر فى سورة " القمر "

وفى هذه السورة " القمر " مظهر آخر من مظاهر التكرار ، هو قوله تعالى:(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).

حيث ورد فى السورة أربع مرات ، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص.


وقد اشتملت هذه الآية: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

(على خبر واستفهام ، والخبر تمهيد للاستفهام الذى فيها ولفت النظر إليه.


ثانيا التكرار فى سورة " الرحمن "


أما التكرار الوارد فى " الرحمن " فى قوله تعالى: (فبأى آلاء ربكما تكذبان)

حيث تكررت الآية فيها إحدى وثلاثين مرة فله أسبابه كذلك.

ويمكن أن نسجل هذه الملاحظات:


أولاً: إن هذا التكرار الوارد فى سورة " الرحمن " هو أكثر صور التكرار الوارد فى القرآن على الإطلاق.

ثانياً: إنه أى التكرار فى هذا الموضع قد مُهِّدَ له تمهيداً رائعاً.حيث جاء بعد اثنتى عشرة آية متحدة الفواصل.

وقد تكررت فى هذا التمهيد كلمة " الميزان " ثلاث مرات متتابعة دونما نبو أو ملل:
(والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا فى الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ).

وهذا التمهيد قد أشاع كذلك لحناً صوتيًّا عذباً كان بمثابة مقدمة طبيعية لتلائم صور التكرار ولتألفها النفس وتأنس بها فلا تهجم عليها هجوماً ؛ لأن القرآن قد راعى فى فواصل المقدمة التمهيدية ما انبنت عليه فواصل الآية المكررة.

ثالثاً: إن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعم على الثَقَلين: الإنس والجن ، وبعد كل نعمة أو نِعَم يعددها الله تأتى هذه العبارة: (فبأى آلاء ربكما تكذبان).

وعلى هذا الأساس يمكن بيسر فهم عِلّة التكرار الذى حفلت به سورة الرحمن أنه تذكير وتقرير لنعمه. وأنها من الظهور بمكان فلا يمكن إنكارها أو التكذيب بها.

" فتكرار الفاصلة فى الرحمن.. يفيد تعداد النِّعَم والفصل بين كل نعمة وأخرى لأن الله سبحانه عدَّد فى السورة نعماءه وذكَّرعباده بآلائه.

ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها.

وجعلها فاصلة بين كل نعمة لتعرف موضع ما أسداه إليهم منها.

ثم فيها إلى ذلك معنى التبكيت والتقريع والتوبيخ ؛ لأن تعداد النِعَم والآلاء من الرحمن تبكيت لمن أنكرها كما يبكت منكر أيادى المنعَم عليه من الناس بتعديدها" .

ولقائل أن يسأل: إن هذه

الفاصلة قد تكررت بعدما هو ليس بنعمة من وعيد وتهديد.

فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات ؟

(يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى آلاء ربكما تكذبان) .

(يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والأقدام * فبأى آلاء ربكما تكذبان).

(هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن فبأى آلاء ربكما تكذبان).
وظاهر هذه الآيات بلاء وانتقام وليس بنعم.


والجواب: ولكن المتأمل يدرك أن فى الإنذار والوعيد وبيان مآل الضالين عصمة للإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.

ومن هذا الاعتبار يتبين أن هذه المواضع مندرجة تحت النعم ، لأن النعمة نوعان: إيصال الخير. ودفع الشر.


والسورة اشتملت على كلا النوعين فلذلك كررت الفاصلة.


فالحمد لله على نعمة الاسلام
(أفضل إجابة)
جزاك الله الف خيرا
×