[لم يعد.. و لا في كفن!]

سُؤال مُوجه الى mimi_dortmund (مليكة)
//لم يعد.. و لا في كفن.//
**
يحكون في بلادنا


يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

و عاد في كفن
*
عازما كان كلّ العزم، متأهبا كان كلّ التأهب.. شرارة النصر كانت تشتعل بعينيه، و لفحات الغضب كانت تنبعث حارقةً من أنفاسه المتسارعة..
حين سألته والدته عن وجهته، استحال ذلك الوحش الكاسر إلى حمل وديع.. و كذب عليها لأول مرة، "إلى مكان قريبٍ يا أمي، و سأعود، لكن.." لكن ماذا؟ لكن هذا..
لم يأخذ معه شيئا، غريبا عاش، كعابر سبيل، و معروفا جدا سيغادر.. شعاره دائما كان: "سأكون وهما، غريبا، نكرة، عابر سبيل في هذه الدنيا ما دمت على غير أرض فلسطين، سأصبح حقيقيةً فقط يوم تطأ قدماي أرض حبيبتي الغالية، و سأصبح معروفا فقط يوم تنبت زهور ياسمين من الرقعة التي سأرويها بدمي.."
و في سبيل تحقيق هدفه، ما كان له إلا أن "يقف على ناصية الحلم و يُقاتل"..
كان اسمه

لا تذكروا اسمه!

خلوه في قلوبنا

لا تدعوا الكلمة

تضيع في الهواء، كالرماد

خلوه جرحا راعفا... لا يعرف الضماد

طريقه إليه
لم يودّع والدته، تلك التي – دون قصدٍ منها – شيعته بابتسامة حانية بها شيء من الألم.. تلك التي وخزها قلبها ككل أم تسير فلذّة كبدها إلى حتفها.. لكنها لم تبالِ بأضغاث المشاعر، لوّحت له بيدها و لسانُها يسأل اللهَ لهُ التوفيق..

مضى مبتسما، و بعينه شبح دمعة، و في قلبه نيران تتأجج.. نار فراق حبيبته الوالدة، و نار الشوق للقاء حبيبته فلسطين..
أخاف يا أحبتي... أخاف يا أيتام ...

أخاف أن ننساه بين زحمة الأسماء

أخاف أن يذوب في زوابع الشتاء!

أخاف أن تنام في قلوبنا

جراحنا ...

أخاف أن تنام
كان يسير بشموخ، بعزة و أنفة و كبرياء.. بعنفوان و زعامة، مقتديا بمن ساروا على نفس النهج من قبل.. أولئك الذين خلدّهم التاريخ و المهتمون به، لكن ماذا عنه؟ هل سيذكره الناس كما ذكروهم؟ هل ستلاقي تضحيته نجاحا؟ هل سيُكتب عند الله شهيدا أم منتحرا؟ حتما سيكون شهيدا.. حتما سيجاور الأنبياء و الصالحين، فرح لمصيره.. فابتسم بحبور.

كثيرا ما قرأ في طفولته عن أولئك الشبان الأشاوس الذين "مشوا إلى الموت برغبتهم" كما كان يقول الناس.. و لطالما كان واثقا – أتمّ الثقة – بأنهم لم يسيروا إلى الموت، إنما طلبوا الحياة الدائمة بطلب الاستشهاد.. كان يقرأ كيف يودّعون أهاليهم، و يكتبون آخر رسائل الغزل لحبيباتهم و زوجاتهم.. كان يتخيل كيف كان شعورهم و الورد ينثر عليهم، و الحرائر يزفونهم إلى عرس الاستشهاد.. لكنه لم يُرِد كلّ هذا.. أراد قصة خاصة به، حلما له وحده..
لم تكن له حبيبة يكتب فيها آخر قصيدة، و لا أمه أو أخته كانتا لترحبا بالفكرة و لتنثرا وردا عليه قبل ذهابه.. لذلك أبقى خطته سرا، سرا جميلا تحفظه له نفسه و تشجعه عليه على الدوام..
العمر... عمر برعم لا يذكر المطر...

لم يبك تحت شرفة القمر

لم يوقف الساعات بالسهر...

و ما تداعت عند حائط يداه ...

و لم تسافر خلف خيط شهوة ...عيناه!

و لم يقبل حلوة...

لم يعرف الغزل

غير أغاني مطرب ضيعه الأمل

و لم يقل : لحلوة الله !

إلا مرتين

لم تلتفت إليه ... ما أعطته إلا طرف عين

كان الفتى صغيرا ...

فغاب عن طريقها

و لم يفكر بالهوى كثيرا ...!

الحدود المصرية-الفلسطينية أخيرا.. البطاقة التي معه تخوّله التجول حيثما شاء.. أخذ نفَسا عميقا، عميقا جدا.. كأنه كان يقول: جئتُكِ أخيرا يا غاليتي، أتيتكِ أملأ رئتيّ من هوائك، و أبلل تربتك السخية بدموعي.. أخيرا هو هناك، في وطن ليس وطنه، في وطنٍ هو أصله.. لم يسكن هناك أبدا، لكنّ ذلك الوطن سكنَ قلبه..
سيذهب حيث اتفق مع صديقه، سينتظره ذلك الأخير هناك و يعرّفه بمن يجب أن يعلّموه الفداء..
حين دخل عليهم رفقة صديقه، كانوا منكبين على خريطتهم تلك، كأسود منقضة على فريستها، فعلا.. أسودا كانوا، بأجسادهم العظيمة و نظراتهم الثاقبة.. بالجد المرسوم على ملامحهم و الذكاء المكتوب على صفحات وجوههم..
استقبلوه مبتسمين، مرحبين به رفيقا جديدا في الجهاد، سعداء به بعد تأكدهم من حسن نواياه، و من أنه ليس جاسوسا أو عميلا..

يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

و عاد في كفن

ما قال حين زغردت خطاه خلف الباب

لأمه : الوداع !

ما قال للأحباب... للأصحاب :

موعدنا غدا !

و لم يضع رسالة ...كعادة المسافرين

تقول إني عائد... و تسكت الظنون

و لم يخط كلمة...

تضيء ليل أمه التي...

تخاطب السماء و الأشياء ،

تقول : يا وسادة السرير!

يا حقيبة الثياب!

يا ليل ! يا نجوم ! يا إله! يا سحاب ! :

أما رأيتم شاردا... عيناه نجمتان ؟

يداه سلتان من ريحان

و صدره و سادة النجوم و القمر

و شعره أرجوحة للريح و الزهر !

أما رأيتم شاردا

مسافرا لا يحسن السفر!

راح بلا زوادة ، من يطعم الفتى

إن جاع في طريقه ؟

من يرحم الغريب ؟

قلبي عليه من غوائل الدروب !

قلبي عليك يا فتى... يا ولداه
انتظرته والدته تلك الليلة، لكنه لم يعد.. حاولت إقناع قلبها قبل عقلها أنه بخير، أنه سيعود سالما.. لكنها عبثا كانت تحاول ذلك.. تذكرت فجأة كيف وخزها قلبها حين ودعته اليوم، أفكان ذلك هو الوداع الأخير؟
أما هو، فقد كان سعيدا جدا، يتجهز مع رفاقه الجدد للعملية الأولى بالنسبة له، و الأخيرة كذلك.. اختار أن يقوم بعملية انتحارية، قبل أن يبحث والده عنه (برفقة مصالحه الخاصة) فيكون بذلك قد أضاع جهد رفاقه خلال أشهر سدى..
كانوا مشغولين بإلباسه ذلك الشيء الغريب المملوء متفجرات، و كان هو مستغرقا في الماضي.. يتذكر كيف كان يلعب مع أخته الصغيرة، ترى ماذا تفعل الآن؟ هل تفكر فيه أيضا؟ و والدته؟ هل نامت أم أنها لا تزال في انتظاره؟ تذكر أيضا روايات الحب التي كان يقرأها، و كيف كان أبطالها يضحون في سبيل حبيباتهم، و يموتون فداء لهن.. ها هو اليوم بطل روايته الخاصة، يلقي بنفسه وسط ألسنة الموت الملتهبة فداء لكِ يا حبيبته.. يا فلسطين..
مشى وسط الناس، يرتدي ملابس فضفاضة غريبة، لا يُظهر شيئا من التوتر الذي كان يتسلل إلى أعماقه، إلى أن وصل إلى وجهته: الحاجز الإسرائيلي الثالث، ذلك الحصن المنيع الذي أعاق المحرّرين و منعهم من التقدم، اقترب أكثر، و كلما اقترب زادت سعادته.. أخرج بطاقته لثالث مرة و سلمها لأول جندي هناك، هنا يتم تفتيشه كما لم يفتش في الحاجزين السابقين بفضل بطاقته.. حين كان سيفتشه، كان الأمر.. ففجّر بطلنا نفسه، و ذلّل أول عائق أمام رفاق التحرير.. شعارات نصر عديدة انتشر صداها في الأنحاء، أصوات فخر و عزة و طموح، و شباب حالمون بالنصر تقدموا وسط الأشلاء..
لقد عاش غريبا، و مات مشهورا في السماء العليّة..
في تلك الأثناء، نهضت والدته من مقعدها، و الدمع من عينيها لم يجف.. راحت تركض، و تركض و تركض، هائمة في الشارع، حتى تعثرت بشيء ما و سقطت أمام الرصيف.. نظرت إليه بشجن، و الدموع بعد لم تجف، سألته متناسية أنه جماد: "أين ابني؟" لكنها لم تعلم أنه.. "ليس في رصيف الأزهار من يجيب".
قولوا لها ، يا ليل ! يا نجوم !

يا دروب ! يا سحاب !

قولوا لها : لن تحملي الجواب

فالجرح فوق الدمع ...فوق الحزن و العذاب !لن تحملي... لن تصبري كثيرا

لأنه ...

لأنه مات ، و لم يزل صغيرا !



يا أمه!

لا تقلعي الدموع من جذورها !

للدمع يا والدتي جذور ،

تخاطب المساء كل يوم...

تقول : يا قافلة المساء !

من أين تعبرين ؟

غضت دروب الموت... حين سدها المسافرون

سدت دروب الحزن... لو وقفت لحظتين

لحظتين !

لتمسحي الجبين و العينين

و تحملي من دمعنا تذكار

لمن قضوا من قبلنا ... أحبابنا المهاجرين

يا أمه !

لا تقلعي الدموع من جذورها

خلي ببئر القلب دمعتين !

فقد يموت في غد أبوه... أو أخوه

أو صديقه أنا

خلي لنا ...

للميتين في غد لو دمعتين... دمعتين !



يحكون في بلادنا عن صاحبي الكثيرا

حرائق الرصاص في وجناته

وصدره... ووجهه...

لا تشرحوا الأمور!

أنا رأيت جرحه

حدقّت في أبعاده كثيرا...

" قلبي على أطفالنا "

و كل أم تحضن السريرا !

يا أصدقاء الراحل البعيد

لا تسألوا : متى يعود

لا تسألوا كثيرا

بل اسألوا : متى يستيقظ الرجال؟؟

قصة بقلمي.. استوحيتها من قصيدة محمود درويش في مقدمة fossa ovalis, و صورة mimi dortmund, و كلام الدكتور حسام غزاوي.. لذلك فهي مُهداة لثلاثتهم..*
ملحق #1
متعب بعروبتيشكرا جزيلا لك ^^ منكم نستفيد..
ملحق #2
العالم الأكبرلا بأس.. لكل منا ذوقه ^^
ملحق #3
fossa ovalisهذه أول تجربة لي من هذا النوع، خطرت فكرتها ببالي حين دخلت ملفك، فالفضل يعود إلى الله ثم لكِ..

كونكِ ترين فيّ كل هذا يشجعني دائما و يسبب سعادتي، و هذا ما لن أنساك لكِ ما حييت..

دمتِ لي الأخت و الرفيقة و التوأمة حبيبتي :')
ملحق #4
حسام غزاويغايتي كانت أن تعجبكم، و أن تُدخل السرور على قلوبكم..

يكفيني فخرا أنكم محور قصة كتبتها، و أنها سكنت مخيلاتكم ^^
ملحق #5
mimi_dortmundآه يا صديقتي الغالية.. ما أجمل ما كتبتِه و ما أروع الأثر الذي تركته فيّ كلماتك..

أتمنى أن تكون لي لمسة في الأدب العربي، لأذكر أسماءكم جميعا أنتم من شجعوني..

أشكرك جزيلا عزيزتي..
(أفضل إجابة)
ومتى يستيقظ الرجال !! موجعة جملتكِ كونتيسا .. خاتمتكِ قاتلة
جسدتي في قصتكِ أفكارا قد تقبع في فكر أغلبنا لكن ماكانت لتصل بهذه السرعة سوى في زوايتكِ الخاصة
كل ما في الأمر ..أني تهتُ بين السطور .. بل و اني أعدت القراءة من البداية قبل توجهي لــ كتابة التعليق
مابين حسرة الأم على ابنها .. و مضي الابن قدما لتحقيق حلم عانق قلبه يوما ما على أرض فلسطين الأبية .." أصارع مشاعري "
هي هكذا .. أرض فلسطين الحبيبة دائما ماتلهمنا .. تجعل من الشجاعة و الكفاح رمزا لنا حتى في القصص و الروايات

لا اعلم بما أعلق .. لن توافيكِ حروفي أجمع حقكِ ..
كونتيسا ..
أسلوبكِ منفرد .. تستطيعين جذب القراء بــ لمساتكِ دون عناء حتى
خصوصا توفقك في ادخال لونا من الخاطرة
قلتها لكِ سابقا ..
أرى فيكِ مستقبلا أدبيا .. استغليه جيدا غاليتي ..
لما لا ..قد تضفين لــ أدب الجزائر رونقا خاصا
ولا أخفيكِ أن أحرفك .. تجعلني أطمع لــ قراءة المزيد منها
يسعدني دائما أن أكون بالقرب لــ الاستمتاع بما يخطه قلمك

بلا شك ..سأحتفظ بــ رابط القصة في ملفي ان سمحتي بذلك
احتاج طاكسي لأصل تحت ^^
جميله 🌹🌹😀😀😊😊😊❤️❤️❤️
تسلسل افكار رشيق ومعبر
سلمت انامل افكارك
+++
انتِ تعرفين رأيي في كتاباتك مسبقا و تعرفين كيف تشدني كتاباتك بسحرها و نظمها ، و ما زلت القبك بالاسطورة كالعادة ،
اعجبني لم يعد و لا حتى في كفن ، هذا المزج مزج فنانة عازفة بارعة تعرف كيف تتلاعب بين السطور و ابيات الشعر باحتراف ، احييكِ ...

بس تعرفي كونتسا ،
هخرج عن الكتابة لشخصيتك ،
عندك ميزة من النادر اني اشوفها في حد ،
انك عبقرية في توظيف الاشياء التي حولك لخدمة خيالك و كتاباتك و افكارك ،

عاطفتك الجياشة احساسك الراقي طيبة قلبك و رقته يخرجون اجمل ما فيكِ من ابداع و مواهب معجزة ،
خيالك لا ينضب ماشاء الله ربنا يحفظك ،

انت كاتبة روائية من الطراز الاول و فتاة خارجة عن المألوف ، استمري ،
اشكرك بشدة صديقتي ،

اسمحيلي احط رابط السؤال بمقدمتي ، ..
لا أحب هذا النوع من القصص ولا أحب الشعر الحر,,,
الكونتسااللهم آمين ، تسلميلي كونتسا (: ..
أضفتها للمفضلة و لمقدمتي و سأكتب لها الخلود في مخيلتي..
لن أكرر ما قلته..لأَنِّي سأكون ظالما في حقك..! لأَنِّي و الله و الله و الله قرأتها 100 مرة و كلما مريت عليها قرأتها..

سلمت أناملك..اختي..حبيبتي ❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
رائعة جداً وحركت مشاعري وكدت أبكي.