كيف تكون الغيرة على الدين و ما ضرورتها ؟

تمهيد : فى تعريف الغيرة:
الغيرة خلق فاضل متركب من النجدة والعدل ؛ لأن من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره ، وأن يتعدى غيره إلى حرمته ، ومن كانت النجدة طبعا له حدثت فيه عزة

مَنْ لَا غَيْرَةَ لَهُ لَا دِينَ لَهُ، فَالْغَيْرَةُ تَحْمِي الْقَلْبَ فَتَحْمِي لَهُ الْجَوَارِحَ ، فَتَدْفَعُ السُّوءَ وَالْفَوَاحِشَ ، وَعَدَمُ الْغَيْرَةِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ، فَتَمُوتُ لَهُ الْجَوَارِحُ ؛ فَلَا يَبْقَى عِنْدَهَا دَفْعٌ الْبَتَّةَ

وَمَثَلُ الْغَيْرَةِ فِي الْقَلْبِ مَثَلُ الْقُوَّةِ الَّتِي تَدْفَعُ الْمَرَضَ وَتُقَاوِمُهُ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ الْقُوَّةُ ، وَجَدَ الدَّاءُ الْمَحِلَّ قَابِلًا ، وَلَمْ يَجِدْ دَافِعًا ، فَتَمَكَّنَ، فَكَانَ الْهَلَاكُ

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله يغار وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حَرَّم الله عليه))

وأعظم الناس غيرة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يغار لله ودينه ولا ينتقم لنفسه قط؛ وما دام الأمر كذلك فليس من المستغرب أن يغار المؤمن على دين الله سبحانه وتعالى وعلى حرماته أن تنتهك، بل إنه إن لم يفعل كان إيمانه موضع شك، لأن غضب القلب وإنكاره -وهذا هو أصل الغيرة- هو أضعف الإيمان.
فالغيرة على دين الله أصلها محمود؛ وهي عبادة قلبية لله عز وجل، وما دامت من العبادات فلا بد أن تنضبط بالضوابط الشرعية حتى لا تخرج بصاحبها عن حد الاعتدال إلى الغلو المنهي عنه فيهلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "هلك المتنطعون" قال النووي رحمه الله: (أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم)
إن أعظم منكر على الإطلاق هو الشرك بالله عز وجل، وهو أولى ما يُغار على الدين بسببه، وقد دنس المشركون أطهر بقعة وهي الكعبة المشرفة بالأصنام والأوثان ومع ذلك فما قام النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بتحطيمها ولا أمر أصحابه بذلك رغم أنه كان بوسعهم، ولا يقول عاقل إنه عليه السلام ما كان يغار عند رؤية هذه الأصنام -حاشاه- لكنه بأبي هو وأمي ما كان يأتي شيئاً أو يذره إلا وفق مراد الله ومشيئته.
ونحن لا ندعو لترك الباطل أو الحبل على الغارب لأهله ولكن ننهى عن الاستعجال الذي لن نقطع معه أرضاً ونبقي بعده ظهراً

لكن هناك تساؤل يثور : هل المجتمع الآن والشباب في غالبه يشكو من زيادة معدل الغيرة عنده والتشدد أم يشكو من التفريط والتضييع وإتباع الشهوات ؟
أيها المسلمون: إن الذي في نفسه غيرة على الدين والإسلام لا يمكن أن يرى دين الله يهاجم، أو حرمات الله تنتهك، أو منكراً من المنكرات قائم وظاهر إلا ويقوم لله بالواجب، ويبين حكم الله تعالى، وينهى عن ذاك المنكر، ويحاول أن يقع المعروف بدلاً منه، إذ ليس فقط الهدف هو إزالة المنكر، ولكن لا تكتمل القضية إلا إذا جعل المعروف أيضاً بدلاً من ذلك المنكر
وقد قال الله عز وجل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ( سورة آل عمران110 )
وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً)
وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الغيرة والقيام به دليل على حياة القلب وصلاحه، وبدونه تتحول الحياة إلى مستنقع قذر كما ترون اليوم خصوصاً عندما تضعف الغيرة بين المسلمين

أيها الإخوة: إن تعظيم النصوص قد انتهك في هذا الزمان وصارت لوثات عقلية قائمة على الأهواء، من أناس من الانهزاميين الذين يهاجمون السنة، ويسقطون أحاديث ويلغون أحكاماً من الدين بزعمهم؛ لأنهم يخشون أن يهزأ بنا الغربيون، أو أن يقولوا عنا: إننا ظلمة أو غير منصفين وغير عادلين، أو ليست لدينا مساواة ويسمون الذي يتبعون الحديث والأثر بالنصوصيين، فإذا رأيت في مقالة هجوماً على النصوصيين فاعلم أن النصوصيين هم أهل السنة والجماعة وأتباع السلف وأهل الحق، وأهل الإسلام، هؤلاء هم النصوصيون الوقافون عند نصوص الوحي الكتاب والسنة، وهكذا يقوم هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالمتنورين، بالهجوم على من يسمونهم بالنصوصيين ويتهمونهم بالجمود، والرجعية والانغلاقية، وعدم الانفتاح، فإذا رأيت هجوماً على النصوصيين فاتهم صاحبه على السنة، واعلم أنه مبتدع ومخالف، فإن نصوص الوحي أحب إلينا من الغربيين والشرقيين، وإن الغيرة عليها واجبة.


أيها الإخوة:
لما قال الشافعي رحمه الله حديثاً لشخص، قال له الشخص: أوتأخذ بهذا الحديث، فقال الشافعي رحمه الله وقد ارتعد جسمه واصفر لونه: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا لم آخذ بالحديث. وقال للذي سأله: أترى في وسطي زناراً، أتراني أدخل كنيسة أو بيعة، هل تراني نصرانياً، هل تراني يهودياً، ثم تقول لي: هل آخذ به، أقول به وأقول بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هكذا كانوا إذن في قضية الغيرة على الدين، والغيرة على نصوص الوحي، ولذلك لما ذكر للإمام أحمد رحمه الله أن رجلاً يتهم أهل الحديث بأنهم قوم سوء، أصحاب الحديث معظموا السنة، أتباع الأحاديث، الذين يأخذون بها وينفذونها، قال عنهم: قوم سوء، فنفض الإمام أحمد ثوبه وقال: زنديق، زنديق، ثم دخل بيته.
إذن أيها الإخوة من نصر بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن نشر بدعة فالله ورسوله منه بريئان، ومن قام في المسلمين يرد أحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم، فقد وجبت الغيرة لدين الله تعالى، بالقيام بإنكار باطله،
فلما ضعفت الغيرة حصل شر عظيم، ولذلك فإننا يجب فعلاً أن نكون واقفين عند حدود الله نغار على السنة والدين والحرمات

إن النفس إذا كانت على حال الإعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص و النظر حتى تبين صدقه من كذبه، و إذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، و كان ذلك الميل و التشيع غطاء على عين بصيرتها عن الإنتقاد و التمحيص، فتقع في قبول الكذب و نقله

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )
إذا صارت القضية إلى هذا القضية فقد استودع من أهل ذلك الحال، ولكن نظراً لإيماننا بأن الخير باقٍ في الأمة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الخير في أمته لا يدرى أولها خير أم آخرها، وليس المقصود أن يتساووا في الفضل، بل السلف أفضل ولا شك، ولكن يريد عليه السلام إثبات وجود الخيرية واستمرارها في الأمة



إنَّ من الغيرةِ على دينِ اللهِ الوقوفُ مع الحقِّ، ومناصرة أهل الحقِّ والخير، ومناورة الباطل، ومقاومةُ المبطلين والمفسدين، مهما كانوا ولو كانوا أولى قربى .
الغيرةُ على دينِ الله تتمثلُ فيمن ينظرُ إلى الدليلِ ويصدعُ بالحقِّ ولو كره المنافقون .
الغيرةُ على دينِ الله تكون بالمساهمةِ في نشره، والدعوة إليه، والجهاد في سبيلهِ بالنفسِ أو بالمال .
يالإعتزازُ بالدين، والافتخارُ بالانتساب إليه، والتمسكُ بشعائرهِ الظاهرة والباطنة ، والتفاعلُ مع قضايا المسلمين ، كلُّ ذلك مظهرٌ من مظاهر الغيرة .
إنَّ من الغيرةِ على دينِ الله، مُناصرةُ المسلمين وقضاياهم، والتألم لآلامهم والفرحُ بآمالهم، ولقد كان التحامُ المسلمين، ونصرة كل منهم لأخيه مثالاً فريداً في تاريخ التلاحم والتواصل والتنا صر، سواءً على مستوى الأمة أو الأفراد ، ولن ينتصرَ المسلمون إلاَّ إذا تحقق فيهم بعد صفاءَ العقيدة، حبُّ المسلم لأخيه ما يُحبُ لنفسه ، وشعوره بآلام أخيهِ كشعورهِ بما يصيبهُ هو، وحبُّ نصرته كما يُحبُّ أن ينصره هو، والله ينصر من ينصره وهو القوي العزيز



فالذبُ عن عرضِ المسلم وسُمعتهِ، والرد على أهل الباطل الذين يُريدون خدش كرامة المسلمين ، والدعاءَ للمسلمين في ظهر الغيب ، وتتبع أخبارهم، والوقوفُ على أحوالهم، كلُّ هذه تحققُ للإنسان معنى النُصرةِ وتجعلهُ عضواً عاملاً صالحاً في كيانه الإسلامى
إنَّ ضعفَ الغيرة على الدين أو فقدها، نقيصةً تنزل بصاحبها إلى الحضيض .
ألا وإنَّ من علامات فقدِ الغيرةِ، الهمُّ والحزن لعلو الحقِّ، والمسرةُ لانخفاضهِ والشماتة بالمنكوبين من المسلمين، والتوجعُ لفواتِ الباطلِ والفرح بحصوله أو إدراكه .
ومن علاماتِ فقد الغيرةِ الانقباضُ عند ذكر الصالحين وأحوالهم، ما لا يستأنس لولاة الكافرين والثناء عليهم ،
إنَّ المسلم الغيور هو الذي لا يُغريه طمعٌ، ولا تخيفهُ رهبةٌ عن قول الحقِّ، فيدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وينكرُ المنكر بحماسٍ منضبط بضوابط الشرع.
إنَّ الغيرةَ على دينِ الله يجب أن تكون هاجسُ كل واحدٍ منا ، وهماً في عروق كل مسلم صغيراً كان أم كبيراً ، ذكراً ًكان أم أنثى، عالماً أو جاهلاً ، صالحاً أو فاسقاً ، فلا يصحُّ أن تكون الذنوبُ والخطايا حاجزاً وهمياً بين العبد وبين العمل الإيجابي لهذه الدين، نريدُ أن يكون همَّ هذا الدين يلاحقُ المرأةَ في بيتها، والرجلُ في متجره، والمعلمُ في فصله ، والطالبُ مع زملائه، والموظف في دائرته ، بل ويحملهُ الشاب على الرصيفِ وفي مدرجاتِ الملاعب ، فلم تكن الخطيئةُ يوماً مهما عظمت حائلاً بين المسلمِ وبين أن يُساهم في نُصرةِ هذا الدين، فقد ذهب بعضُ الصحابة إلى غزوة أُحد بعد ليلةً من شرب الخمر كما في البخاري ، اصطبح أناسٌ الخمر يوم أُحد ثُمَّ قُتلوا شهداء .



• الغيرة على الدين تقتضي ان يعاقب كل من عمل عملاً يؤذي فيه المسلمين والعاملين لاقامة الاسلام
• الغيرة على الدين تقتضي العمل على الوحدة بين اصحاب هذا الدين لا الفرقة والإختلاف و الإقتتال و التناحر
• الغيرة على الدين تقتضي ان يكون اصحاب الدين من اصحاب المواقف الاقوياء الذين اذا قالوا فعلوا واذا وعدوا اوفوا ،واذا حدثوا صدقوا
• الغيرة على الدين تقتضي بذل الغالي والنفيس والمهج والارواح من اجل رفعة هذا الدين وتمكينه في الارض

ملحق #1
سيمابارك الله فيك و نفع بك
ملحق #2
احبك يا جوجو ♥أبوبكرDaniel Mardiniبارك الله فيكم
بارك الله فيك ، صدقت ، ومن دلائل الغيره وحب الدين ، حذف مجموعة قنوات MBC القذره التي يتجاوز عددها ال10 قنوات والتي تبث سمومها للمجتمع الاسلامي
جزاك الله خيراً اخي فيرتو .. موضوع في غاية الأهمية وعلينا قراءته وفهمه ..

تم التقييم +1
جميل
جزاك الله خيرا
اللهم ردنا اليك ردا جميلا
جزاك الله خيرا
" خير الحديث كتاب الله و خير الهدى هدى محمّد صلّى الله عليه و سلّم .. "

ليس للمسلم أن يحيد عن ما جاء به الكتاب أو السّنة و ذلك في جميع شأنه لقوله تعالى: { اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ } [ الأعراف: 3 ]


كلام قيّم لابن القيّم:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالواجب على كلّ مؤمن أن يحبّ ما أحبّ الله و رسوله، و أن يبغض ما أبغضه الله و رسوله ممّا دلّ عليه في كتابه .. ( "مجموع الفتاوى" (20/ 8-9) )

و قال أيضا في " إعلام الموقعين عن رب العالمين " :



ما شاء الله تبارك الله .. موضوع مفيد و ماتع ..
جزاكم الله خيرا لطيّب النّشر و نفع بكم ..
صفات جيل التّمكين في المنظور القرآني :



VIRTUEو إيّاكم .. جزاكم الله كل خير على الطرح المفيد و القيّم ..
كلنا غيورين على الدين
طبعا من حق اي شخص ان يكون غيورا على معتقده او دينه
×