صيد الخاطر لابن الجوزي - إذعان العقل فى حكمة الله

صيد الخاطر لابن الجوزي - إذعان العقل فى حكمة الله


تأملت حالا عجيبة ،
و هي أن الله سبحانه تعالى قد بنى هذه الأجسام متقنه على قانون الحكمة .
فدل بذلك المصنوع على كمال قدرته ، و لطيف حكمته .
ثم عاد فنقضها فتحيرت العقول
بعد إذعانها له بالحكمة ، في سر ذلك الفعل .
فأعلمت أنها ستعاد للمعاد و أن هذه البنية لمتخلق
إلا لتجوز في مجاز المعرفة ،
و تتجر في موسم المعاملة ، فسكنت العقول لذلك .
ثم رأت أشياء من هذا الجنس أظرف منه ،
مثل احترام شاب ما بلغ بعض المقصودبنياته .
و أعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه يتململان .
و لا يظهر سر سلبه، و الله الغني عن أخذه ،
و هما أشد الخلق فقراً إلى بقائه .
و أظرف منه إبقاء هرم لا يدري معنى البقاء ،
و ليس له فيه إلا مجرد أذى .
و من هذاالجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم ،
و توسعته على الكافر الأحمق .
و في نظائر لهذه المذكورات
يتحير العقل في تعليلها ، فيبقى مبهوتاً .
فلم أزل أتلمح جملة التكاليف ،
فإذا عجزت قوى العقل عن الاطلاع على حكمه ذلك ،
و قد ثبت لها حكمة الفاعل ،
علمت قصورها عن درك جميع المطلوب ،
فأذعنت مقرة بالعجز . و بذلك تؤدي مفروض تكليفها .
فلو قيل للعقل : قد ثبت عندك حكمة الخالق
بما بنى أفيجوز أن ينقدح في حكمته أنه نقض ؟
لقال : لأني عرفت بالبرهان أنه حكيم ،
و أنا أعجز عن إدراك علله فأسلم على رغمي مقرأ بعجزي .
(أفضل إجابة)
جزاك الله خير وجعله في ميزان حسناتك ...