سبع قطرات من العرق (كاملة)

أحباناً تجد ذاتك وقد تشرنقت وانعزلت عن ضجيج ما حولها .. وارهفت السمع لتفاصيل ما كانت لتدخل بؤرة احساسها لولا حالة الشرنقة هذه . كنت أرتشف شاي الظهيرة وبينما قطراته تنساب لداخلي، كانت هناك قطرات أخرى .. قطرات من عرق تنبثق من منتصف ظهري الواهن لأسفله، كنت مندهشاً لهذا الأمر، نقطة الماء تتكور على ذاتها .. تتدحرج ببطء شديد وكأنها تحفر لنفسها وادياً محاذياً لفقراتي السفلية، كنت أحاول رفعها لأعلى كما فعل "سيزيف"، إلا أنها تهزمني وتنزل في كل مرة وأعود مثله من جديد محاولاً رفع "كرة" أخرى لأعلى!

كنت أتوهم بأن هذه القطرات تداعبني، ها أنذا أشعر بسرعة تدحرجها وفجأة تتوقف بنقطة ما لتعود لدحرجتها ولكن بتهادي حتى تتوارى عن إحساسي بها بذلك المصب، ومع كل قطرة أسرح بذهني ومخزون ذكرياتي !

::

::


القطرة الأولى: الجمعة،
أليس اليوم هو الجمعة والساعة جاوزت منتصف النهار .. فلم المؤذن يأمرنا بالصلاة في بيوتنا والصلاة في رحالنا؟ سبحان الله، كان الفلاح –قبل جائحة كورونا- في الصلاة بالمسجد والمسارعة للجماعة والتلاصق الجسدي، والعقب بالعقب والكتف بالكتف حتى يستوي الصف، لدرجة أن البعض كان يجثم بباطن قدمه على قدمي، الآن تبدلت الأوضاع والفُرج لم تعد مذمومة فتباعدت الأعقاب والأكتاف .. بل تباعدت الأجساد مترين عن بعضها البعض، أما الأرواح فالله وحده أعلم بها.

::

::



القطرة الثانية: قطتنا،
ذلك الكائن الجميل في ذاته، وفدت إلينا كهدية لإبنتي الصغري منذ سنتين، وأصبحت فرداً بأسرتنا الصغيرة نفرح لفرحها ونحزن لآلامها، أتذكر ذلك اليوم الذي توسلت إلينا بنظراتها وموائها لنخلصها من أوجاعها القاتلة، كنا ننتظر بفارغ الصبر هراتها الصغار، لكن الأمر طال لنكتشف عبر طبيب الوحدة البيطرية أن حملها يجب إنزاله حرصاً عليها، فقد كان يبدو لهم أحد الأجنة لا يتحرك، أخذتها بذلك اليوم لعيادة طبيبة بيطرية فأكدت التشخيص وأنه لابد من التدخل الجراحي بعملية قيصرية، وافقت وفي لحظات أصبحت مساعداً للطبيبة، وجدنا جنينا ميتاً كان يسد مخرج الولادة ولونه بدأ في الاخضرار وآخر منهار القوة، العملية كانت سريعة، والقطة كانت دائخة خائرة حزينة على ما فقدنه، قوائمها غير قادرة على حملها، البيت كله أصبح يطببها بالأدوية ويطيبها بمسح آثار العملية من جسدها، حتى مَنْ الله عليها بالشفاء، وعادت تموء من جديد وتملأ المكان بشقاوتها اللذيذة .

::

::



القطرة الثالثة: لبنان الحالة،
تلك السيدة اللبنانية العجوز العازفة على البيانو وحولها صوت لململة قطع الزجاج المتناثر في بيتها المنهار نوافذه وستائره والمتكسرة بعض قطع أثاثه ولوحاته وقطع زينته، أي إصرار هذا على الحياة ؟ أي تحدٍ هذا للموت المتربص بها ويطل عليها وعلى آلاف اللبنانيين من مرفأهم الذي لم تترأف محتوياته بهم .. فانفجرت من الاهمال والرغبة في الاستحواذ على مقادير ذلك البلد، كانت تعزف الأمل بلا ملل ليعود اللون الأخضر لشجرة الأرز المحترقة ويتبدل أحمر الدماء لأحمر الكرز ، ويعود بياض قلوب أبناء لبنان ناصعاً بعدما ينفض عنه رماد ركام 2750 طناً من نترات الأمونيوم وآلاف الأطنان من غبار الطائفية وغيره !

::

::



القطرة الرابعة: الوقت،
قضية استغلال الوقت قضية هامة للغاية، فالوقت هو أهم مورد في حياتنا، هو مورد ناضب لا يتجدد ولا يمكن تعويضه ولا ادخاره، والأفضـل عدم الإكثار من القيل والقال مع الناس سواء كانوا رجالاً أم نساءً، فكثرة الكلام تعني احتمالية كثرة وقوعنا في الأخطاء بسـبب لهو الحديث، وحياتنا بها الكثير من المهام المؤجلة والمنسية، لذا دوماً أضع ورقة أكتب فيها قائمة بكل المهام والأشياء الواجب عملها، وكلما شعرت بفراغ أنظر بهذه القائمة وأقوم بإنجاز شيئاً وهكذا، هذا الإنجاز يفتح الشهـية لمزيد من العمل، لذا فإن الحديث عن وجود فراغ يعتبر من (لغو الحديث)، وعلينا توفير البيئة للإنجاز بمزيج من الرغبة والحماس واستنهاض عزيمتنا وإمكاناتنا، يقول النبي ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ" يعني: كثير من الناس تضيع صحته بغير فائدة، وفراغه في غير فائدة، ويقـول الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا}

::

::



القطرة الخامسة: النوم،
نقلة سحربة لعالم أكثر سحراً، ما أمتعه حبنما يطلبنا وما أوجعه لو طلبناه، النوم (مع) .. النوم (على) .. النوم (في) .. النوم (بـ)، كل علامات الجر والشد والضم والفتح تقف عاجزة أمام أوضاع النوم، فالنوم يجب ما قبله ويكب ما بداخله، الغريب أننا نحلم بالنوم في يقظتنا ونحلم به أيضاً أثناء نعاسنا، النوم يأخذ من عمرنا سنوات ليعتصرها ويمنحنا ساعات مكثفة من الهناء والإنتشاء والأمان والدفء .

::

::



القطرة السادسة: الكون،
المعروف أن الكون خلقه الله وكما خلقه سينهيه، وتشبيه طي السجل لمجرد تقريب الصـورة لأذهاننا، والأمر سهل الاستيـعاب لو أدركنا طبيعة ما يعرف بالثقب الأسود والذي يبتلع النجوم الكبيرة، فماذا يمنع من وجود ثقب أسـود أكبر وأضخم وأعمق يبتلع كل ما في الكون من مجرات ونجوم ..إلخ ، سبحانك يارب !
إذا فتشت بداخلك ستجده ، فهو ذلك "النور" الذي يضيء نفسك وكل ما حولك، فتعيد صباغة الكون بالألوان المشرقة ويعيد صياغة يومنا بعبارات التقاؤل، الجمال المحض هو ذلك "الجمال البكر" الذي لم يتلوث بعد بتدخل بشري غبي، هو في بسمة طفل وليد ، هو في صفـحة ماء على شاطىء، هو في وجه فتاة غسلت وجهها يحبات عرق الحياء .

::

::



القطرة السابعة: الموت،
الحقيقة "نسبية" .. فحسب الزاوية التي تنظر منها ستتجسد لك "الحقيقة"، حسب طريقة طهي الحدث ستتذوق "الحقيقة" ، حسب درجة حياد مذياعك ستسمع "الحقيقة".. ويبقى الموت هو "الحقيقة" المطلقة لنا جميعاً !

هناك من ينتظر السفينة .. وهناك من يسبح في اتجاهها هناك من ينتظرون الأمل .. وهناك من يقومون بصناعته ! كلنا نعلم أن حياتنا نهايتها الموت ..لكن ما بين الميلاد والموت مساحة زمنية طالت أو قصرت، فهي امتحان لكل منا .. نجيب عليه في الدنيا ونعرف نتيجته في الآخرة وبأيدينا أن نتفوق أو نفشل، لكن المشكلة أنه لا توجد إعادة .

الحب يموت .. الجمال يموت .. الإنسان يموت، بل الموت ذاته سيموت، فكل ما له بداية له نهاية ولا يبق إلا الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية .. الباقي هو الله.

::

::


(شكراً للمتابعين، فلقد جفت القطرات) !
ملحق #1
صقر الغجر::
طالما مازال القلب ينبض ولم تفارقنا أرواحنا، علينا العطاء
وواجب علينا إجادته، رزقك الله الخير والسعادة أينما كنت
ملحق #2
الكونتسا::
مَنْ لا يرحم لايُرحم، الله اخـــتبرنا بها وعلمنا مشقة رزق خلق
واحد من خلقه فما بالك بكل خلقه على إمتداد الخليقة، شكراً
لمتابعتك وطيب عباراتك، وما كتبته لا يرقى لطرحك العلمي!
ملحق #3
الشلولخ::
لو ابتعدت قليلاً لرأيت الصورة عبارة عن جمجمة تصرخ بفزع
يجميع الأحوال أشكرك لستر ما تعرى، وإن كنت فعلت العكس!
ملحق #4
الشلولخ::
الله أعلم بالنوايا، لو كنت تتابع المحطة 35 باستمرار، لوجدتها
ملحق #5
الشلولخ::
كل حر في رضاه
ملحق #6
جبر المقال::
أنتم قدوتنا في "التكثيف" و"التثقيف" والإتيان بكل ما "يضيف
ملحق #7
زهـــور الأشــــــواق::
الأورع مرورك وطيب عباراتك، وفقك الله
ملحق #8
بنت حواء...::
جزاكِ الله خيراً، وتشرفت أن الخواطر راقت لكِ
ملحق #9
ســـعـــيــد آغــــا::
مهما لاقينا من مظالم .. فالحق حتماً سيظهر والله ناصر عباده
خذ ما شئت .. اعتبره حلالك، المهم ألا تنسانا من طيب دعائك
ملحق #10
ســـعـــيــد آغــــا::
دعني أُثقل عليك .. إجعل دعائك للوالدين بالرحمة والمغفرة، بارك الله بك
لم تجف بعد دكتور فالخير و البركة و البذل و العطاء لا ينقطعان حتى تنقطع الانفاس معهما
سلمت اناملك دكتور على هذه التحف الفريدة و الرقائق العذبة و التوق للعطاء
و هذا ما نتمناه دائما .... اللهم امين و لكم بالمثل
كلها كلمات جميلة رائعة، لكن قصة القطة أحلى وأجمل بكثير، حفظها الله لكن وحفظكم لها وشكرا على اعتنائكم بها
qatrصدقني يا دكتور ان نيتي طيبه زي ما انا متاكد من ان نيتك طيبه! ياليت تغير الصوره قبل ان اكشف ما تعرى وافعل العكس كما تطلب
qatrقد اكون فوت محطات فهذا لا يعني رضاءي بما يحدث
شيء جيد أن تلخص كل هذه الشلالات في سبع قطرات غير عجاف
روعاتك ، جميلة جدا ، أبدعت
qatrولك بالمثل دكتورنا
حلوة الفكرة،ودائماً يعجبني أسلوبك فالكتابة ماشاء الله تبارك الرحمن🙏🏻🌷
qatrالشرف لي 🌷
qatrالصورة الاخيرة شخص عريان بلكامل لا يلبس اي سروال !!

لو غيرك يا دكتور كان بلغنا عليه ولذلك جري التنويه للافاده والاحاطه
اثناء زيارة اسئلتك المتميزة الماضية وقع عني على هذا السؤال , من اجمل
الاسئلة التي قرأتها مضيف اليها الصور لايضاح الفكرة بشكل جميل , واثبات
لنا بان الخير والبركة لا ينقطع ابدًا .. وهذا ما نتمناه .. بوركت وباركت اناملك
المتميزة والرائعه والتي نستمد منها الحكمة ونقتبس منها اقوال رائعه من عضو
الحكيم .

اريد ان اقتبس جملتك الرائعه نلتقي لنرتقي في هذا سؤال ++
qatrيوم الخميس رايح عالاقصى .. سادعي لك من كل قلبي ولك صور حصريه
بقلبي احلى من عسل واخف من الذره .. يا غالي