سأعود .. ولكن (3)

::



::

(الفصل الثالث والأخير)


فقلت لها : أي جمل تقصدين ؟
فقالت مازحة : الذي جئت به إلى هنا ؟
إنزعجت من السؤال وظهر عليّ العبوس وقلت بحدة : بلادنا فيها سيارات وطائرات وسفناً إلى جانب الجمال، لدينا مصانع وفنادق وبورصة و.. و..
فوضعت أطراف يدها اليمنى على فمي قائلة : أنا أسفة .. فهذا ما نشاهده بالأفلام .. كل حياتكم في الخيام ومع الجمال .. ثم قل لي أين ملابسك .. وأين هذا الـــ .. ؟ وفجأة وجدتها تلف "النقانق" على رأسها على هيئة عقال
فقلت لها : تركت "الثوب" ومتعلقاته لدى أهلي .. تخفيفاً للوزن ورغبة مني في عدم لفت الأنظار لاسيما بعد المشاعر العدائية منكم تجاهنا إثر أحداث 11 سبتمبر .
تأسفت ماري مرة أخرى .. وقالت : عقاباً لي على ما سببته لك من حرج.. سأقوم بنفسي بطهي هذه "النقانق" لك .. ولا تقلق سأطهيها لك بزيت زيتون .. بعد إذنك مدام روشيه .
::

::
وبالفعل .. قامت ماري بكل خفة .. تطهي "النقانق" أمامنا .. فالمطبخ مفتوح ، وشعرت بدفء غريب يعتريني، شعرت بجو أسري من نوع جديد ، الكل يعمل بلا حرج أو تأفف ، الرجل والمرأة سواسيه.. في المطبخ .. في المزرعة .. في السوق .. في كل مكان، المهم .. جاءت ماري "بالنقانق" ووضعته بمنتصف المائدة ليكون في متناولنا جميعاً .. وقام جاسم بواجب الضيافة هذه المرة مع عائلة ريمون وليزا ، أما ماري فقد وضعت لها –بيدي- جزءً مما طهته بطبقها ، وأنا أشير لها بإبهامي علامة على الجودة والمهارة في الطهي ..
ولاحظت أن المائدة خالية هذه المرة من زجاجات المشروبات الكحولية ، وموجود بدلاً منها.. عناقيد من العنب الأبيض الشهي ، ولما رآني مسيو ريمون .. أحدق في عناقيد العنب ، مازحني قائلاً : لا تقلق .. هذا عنب "حلال" ..!!
ضحكنا .. وأخذ الحديث يتقاطع بين ضفتي المائدة ، ويدور ويتداخل بين المتحدثين .. بالفرنسية .. وبالإنجليزية .. وبالعربية ..!! شعرت وقتها .. أن الحضارات يمكنها أن تتعايش على الأرض .. كما تعايشت على هذه المائدة ، الخير يمكننا أن نقتسمه .. لو قاومنا الجشع والهيمنة التي تعشش في رؤوس بعض البشر ..
ولما طال الحديث .. نظر مسيو ريمون إلى ساعته وإلى زوجته وابنته وقال : أعذرونا للإنصراف .. فلدينا غداً عملاً يجب إنجازه ، خذوا راحتكم .. ولكن بعد ترتيب هذا المكان .. وأشار للمائدة والمطبخ ..
::

::
وقمنا نتساعد في إنجاز ما طًلب منا بهمة ونشاط ، ووجدت ماري تهمس في إذن ليزا بشيء، بعدها قامت ليزا بالهمس في إذن جاسم ، وأنا أنظر لهم بفضول، وما هي إلا لحظة حتى بادرني جاسم قائلاً : الشباب (مشيراً لماري وليزا) يريدون استكمال الحوار .. لا تقلق .. لن نذهب بعيداً .. هنا أمام الكوخ .. ما رأيك ؟
لا أخفيكم سراً .. فرحت بهذه الدعوة المفاجئة ، وقبلتها وأنا أتصنع التفكير .. !!
فقام جاسم بتجميع بعض الحطب .. للتدفئة وعمل الشاهي ، أما ماري وليزا فتعاونتا في "دحرجة" بعض "بالات" القش للجلوس عليها ، واكتملت الجلسة على ذات الترتيب الذي كنا عليه عند تناول العشاء ..
وقبل الجلوس سألت جاسم : لقد لاحظت أنك قلت أنك لم تأكل شيئاً من الأمس .. خيراً ؟
فرد عليّ : لقد نويت الصيام .. ولكني لم أتسحر ، وقاومت الجوع أثناء تسوقنا اليوم .. تُرى هل سيتُقبل مني ؟
لم أشأ الدخول –مع جاسم- في جدل فقهي .. لن يستفيد منه سوى الشيطان .. وكنت أتمنى أن يواصل السير في هذا الطريق الخيّر، وحسابه مع الله..
إلا أن "ليزا" كان لها رأياً آخر .. فقد سألت جاسم بالفرنسية سؤالاً كاد يدق "إسفيناً" بينه وبيني، عرفت ترجمته من خلال جاسم ، وخشيت أن يغويه الشيطان، إلا أن الله هداه للرد ، فأجابها : نعم .. نحن أصدقاء طفولة ، من شارع واحد ، ومن بلد واحد ، ومن دين واحد ، إلا أنني أعترف أن الدنيا أخذتني بعيداً عن "الله" .. فنسيت الصلاة والصيام، حتى جاء رفيقي ..فذكرني بما نسيته، وليس عيباً أن نخطيء .. ولكن العيب أن نصر على الخطأ ، أليس لديكم في الإنجيل " من كان منكم بلا خطيئة .. فليرجمها بالحجارة " ؟
::

::



::

::
أحست ماري بأن الجلسة ستتوتر .. فقالت لجاسم "بإنجليزية " : أين الشاي أيها البخيل ؟
رد جاسم : دقائق .. وتشربون شاياً لم تتذوقوه من قبل .
وقام بفرد "العزبة" ووضع إبريقاً معدنياً على قطعة متوهجة من الحطب ، وبدأ يصف الكاسات ويسأل الحضور عن مقدار السكر الذي يريده بكاسته ، حتى جاء دوري .. وضحك قائلاً لي : أما أنت فتحب الشاي .. عسلاً .. أليس كذلك؟
أثناء ذلك .. عاودت ليزا حوارها معي وسألتني : هل صيامكم له مواعيد ؟
في هذه اللحظة .. نهض جاسم من الجلسة مستأذناً منا لدقائق لأمر هام .. وربت على كتفي :: أكمل يا بطل .. دقيقتين وسأعود ..!!
::

::
بدأت أستجمع مفرداتي اللغوية الإنجليزية ومعلوماتي الدينية البسيطة ، لأصيغ رداً على سؤال ماري .. والحمد لله وفقني الله لتعريفها هي وليزا بمفهوم الصيام وعدد أيامه ومحظوراته .. ولمحت في أعينهما إنتباهاً بما أقول ..لدرجة أنني تمنيت أن أكون قد اصطحبت كتيبات مبسطة عن الإسلام باللغة الإنجليزية أو الفرنسية لمثل هذه المواقف ، وبالرغم من قصر المدة التي غابها عنا جاسم .. والتي كانت مجرد دقيقتين ، إلا أنها كانت طويلة ومجهدة و..محرجة ، ولكن .. هاهو جاسم يأتي جزلاً .. ثم جلس .. بعد أن أطمأن على أن الشاي الذي أعده قد حاز على إعجاب الحضور، وأنني استطعت الرد على تساؤل ماري ، ثم إلتفت إلي ّ قائلاً : علينا أن نجهز أنفسنا للسفر ليلاً لباريس ..فغداً "عيد الفطر" .. ونويت أداء صلاة العيد في المسجد الكبير هناك ، والأمر الهام الذي قمت بسببه .. كان إتصال تليفوني على المركز الإسلامي هناك للتعرف على غرة شوال .. مبارك العيد ..، قالها بالعربية والإنجليزية والفرنسية ..فرحت .. كما لم أفرح من قبل .. فرحت بقدوم العيد .. وبصوم جاسم بعد إنقطاع وبمبادرته للسفر لباريس لصلاة العيد هناك بين الجالية المسلمة .. فقمت من مكاني وأحتضنته وقبلته .. وماري وليزا يصفقان ويصفران .. وما إن جلست حتى فوجئت بماري تهمس في إذني .. "هابي إيد"، وبلمس شفتاها على كتفي .. فشعرت بقشعريرة تسري بجسدي .. فانتفضت كمن لدغه عقرب .. وصوت أمي يطنّ في كياني كله .. " لاتخوننا في غربتك " .. وصعدت لغرفة جاسم لأتجهز للسفر لباريس لصلاة العيد .. وقضاء ما تبقى لي من أيام في زيارتها وزيارة معالمها ، صعدت وأنا أردد بيني وبين نفسي .. حتماً " سأعود .. ولكن " !!


(النهاية)
ملحق #1
wassimevic
شكراً لردكم وكلماتكم المشجعة
رابط الفــــصل الأول http://www.ejaaba.com/topic/465013
رابط الفصل الثاني http://www.ejaaba.com/topic/465839
ملحق #2
بيانا
"الغيرة" .. في الإبداع الإنساني تعطي مساحة كبيرة للتنافس
وتعطي مذاقاً مميزاً للحياة .. كما تفعل "الشطة* في الطعام!
ملحق #3
وردرة الياسمين
دخول القاريْ بجو القصة ومعايشتها .. هو أقصى ما يتمناه الكاتب ، شكراً لتحفيزك
ملحق #4
دمع الندى
إن شاء الله من وقت آخر أنشر قصة ، وفقك الله
ملحق #5
الاسلام سيحكم
تشرفت بقراءتك لكامل الفصول
ملحق #6
عروس المطر
أخجلتموني بطيب عباراتكم ، بارك الله فيك
ملحق #7
أم وليد
صدقت ..... لم أشعر بقرب الوالدين إلا في غربتي هذه
وفيها شعرت أيضاً بقربي من الله ، فكلما زادت حرياتنا
زاد الخوف من الله ، وزاد احترامنا لمن أحسنوا تربيتنا
اللهم اغفر لآباء وامهات أمة التوحيد وارحمهم ، آمين
ملحق #8
أشواق الغد
جزاك الله خيراً على تعليقك الطيب
ملحق #9
awake::
الحمد لله ... أنها جذبتك للدرجة التي انهيتِ فيها
فصولها الثلاث بأقل من ساعة ، شاكراً لك تعليقك
ملحق #10
awake::
ما شاء الله .. لديكِ قدرة متميزة للصبر على القراءة
ملحق #11
ملازم اول للصمت::
تشرفت باطلاعك واعجابك بها
ملحق #12
ملازم اول للصمت::
حقيقية مع بعض (الإضافات الدرامية) !
ملحق #13
ملازم اول للصمت::
أشعر بالسعادة كلما حركت كلماتي
الأفكار والإبداع لدى من يقرأها !!
ملحق #14
ملازم اول للصمت::
أصلح الله بالك ورزقك بما تقر به عيناً
قصة جميلة فعلا
كنت انتظرها
واجمل مافيها اني اتخليها وكاني جالسة معكم
جميلة القصة جدا
ومعبرة عن حياة الغرب وتقاليدهم
والانسان المسلم ومحافظته على صلاته وكيف يذكر كلام والدته
\\\\\\\\\
كم انت رائع دكتور
"لا تخوننا في غربتك" جملة الوالدة -يرحمها الله- علقت معي منذ أن قرأتها في الفصل الأول! لم أفكر من قبل في مشاعر والديّ عندما سافرت لمصر لإكمال دراستي!
كنت سعيدة بحياتي الجديدة وإحساسي بالحرية لأول مرة، وحزينة في نفس الوقت لابتعادي عنهما والشعور بالغربة والمسئولية، وكنت أعجب من رسائل والدي –يرحمه الله- "المطوّلة والمطبوعة بأناقة على الحاسوب" بأخبار العائلة ونصائحه الغالية لي.. فهذا جانب لم أعهده منه من قبل.

الشكر الجزيل لحضرتك أستاذي، لم أخسر بقراءتي القصة للمرة الثانية.. كان هذا تذكير لي بما نسيت.

نسأل الله الرحمة والمغفرة لآبائنا وأن يدخلهم واسع جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. آمين يا رب العالمين.
جاري القراءة ............
يا الله حسيت بكل اشي ^_^

حتى بحرارة الشاي ومذاقه هههههه

كانت قعده حلوة ^_^ انا كنت معكم بالقصه p:

جميله جدا ما شاء الله عليك دكتور محمود ^_^

بدنا كمان قصص بتودينا لعالم غير عالمنا الكئيب :))
هذه القصَّة ُ ناجحة ٌ وَمُمَيَّزة ٌ
شكراً دكتور لغتك وسلاسةُ حرفك وعذوبته أذهلتني
و النهاية أجمل مما توقعت
 سلمت يمناك على روعة ما امتعتنا بهِ ....
امين وإياك إن شاء الله ^_^
نهاية رائعة قصة مذهلة
لاااا .. لاتقل انها انتهت !!
مدهش .. وكأني كنت معك اتخيل كل حركة كل كلمة .. لقد ادخلتنا أشخاص بقصتك .

ماعندي تعليق يوفي طرحك وكتابتك ..

أخاف أن تصيبني الغيرة منك !!! لقد بدأت شعلة الغيرة تلعب دورها عندي !!
قرات الفصول كلها انها ممتعة شكرا لك
اللهم آمين يا رب العالمين.
بوركتم وبوركت جهودكم.
قصة رائعة فعلا ونهاية اروع بجميع فصولها سلمت يدك دكتور
قصة رائعة والذي زادها روعة طريقتك المشوقة في سردها شكرا لك دكتور +++
مااجملها من حكاية

دكتورنا احكي لنا حكاية اخرى
نحن بانتظار الجديد
رائعة تلك اللحظة " وأخذ الحديث يتقاطع بين ضفتي المائدة ، ويدور ويتداخل بين المتحدثين .. بالفرنسية .. وبالإنجليزية .. وبالعربية ..!! شعرت وقتها .. أن الحضارات يمكنها أن تتعايش على الأرض .. كما تعايشت على هذه المائدة ، الخير يمكننا أن نقتسمه .. لو قاومنا الجشع والهيمنة التي تعشش في رؤوس بعض البشر .. "

و اضحكتني تلك اللحظة " فانتفضت كمن لدغه عقرب .. وصوت أمي يطنّ في كياني كله .. " لاتخوننا في غربتك " .. وصعدت لغرفة جاسم لأتجهز للسفر لباريس لصلاة العيد .. "

قصة رائعة جعلتنا نسافر معك لارض النور و نعيش لحظات جميلة ^^
القصة ليست طويلة
عادي ممكن اقرا اكثر من 20 صفحة في اقل مم ساعة
باليوم ممكن اكمل قصة من 120 صفحة اذا شدتني
و ب3 يوم اكمل قصص من 250 و ما فوق
سواء عربي او انجليزي
اما اذا لم تعجبني بتاخد شهر هذا اذا كملتها اصلا
لو شيء اعجبني ..نعم
اما اذا لم يعجبني ..لا
انا قرات الثلاثة فصول وكأني كنت أعيشها حقاً وتمنيت أن يكون هناك فصل رابع وخامس وسادس
هل هذه قصه حقيقيه حدثت معك ام انها من وحي الخيال
بس ماشاء الله لا قوة الا بالله أسلوبك في كتابة القصه أصلا جعل عقلي ينتج فيلماً درامياً وكأني اعيشه حقاً
أسعدك الله دوماً كما تسعدنا دوماً ^_^