سأعود .. ولكن (1)

::



::

::
كانت مهمة شاقة .. ولكن لابد منها ، فالأمر يستحق .. أول سفرة لي ، وإلى أين .. إلى بلد النور والجمال، فقد دعاني "جاسم" كي أقضي معه اسبوعاً بفرنسا ، وجاسم هذا .. أحد أبناء الجيران المقربين لقلب والداي، وأحد زملاء الدراسة ما قبل الجامعية، ففور الإنتهاء من دراسته الثانوية أصر على استكمال دراسته بإحدى الجامعات الفرنسية، وتحديداً في مجال الفن التشكيلي.
نعود للمهمة الشاقة .. مهمة إقناع والدتي .. ثم والدي بهذه السفرة ، فوالدتي لم تتعود غيابي عنها لاسيما وأنه لايبعدنا عن عيد الفطر سوى ثلاثة أيام فقط ، فكيف تتحمل غربتي وأن يأتي العيد منقوصاً ..؟ بالطبع استخدمت كل الحيل والأساليب .. الترجي والتمني حتى بدأت تلين .. ولكنها أشترطت عليّ شرطاً واحداً .. ألا أخونهم في هذه السفرة ، بصراحة لم أعي هذا الشرط وقيوده المتشعبة، لكني وعدتها حتى أسافر ، والحمد لله كانت المفاوضات أسهل مع الوالد، فله تجارب كثيرة مع السفر ..
وبدأت أتجهز في عجالة من أمري، فغداً سأكون فوق السحاب.. مع الأحلام ، لم أنم من فرط الشوق، ولا أعرف كيف أصف لكم حجم الفرح بالخروج من الدار للمطار، لن أتوقف بكم عند ذكريات الصعود للطائرة أو النظر من نافذتها للسحاب أو المواقف التي وقعت بها بسبب حداثتي في إجراءات السفر .. فكلي شوق لمشاركة جاسم البهجة في "ليون" .. نعم " ليون" إحدى المدن الساحرة بجنوب فرنسا ، وهاهو "جاسم" ينتظرني ، كما هو .. لم تغيره الغربة ، فقط طال شعره وخفت لحيته!!

::

::
تبادلنا الأحضان ونظرات الفرح ، هو كان يرى في عيني .. أمسه ، وأنا كنت أبحث في عينيه عن .. غدي، وتلفت حولي يبحث عن حقائب السفر، وتعجب أنها حقيبة واحدة وصغيرة، وركبنا سيارة صغيرة من طراز "رينو" ، كان يقودها بنفسه .. وبالطبع قطعنا الطريق في حوار لاينتهي عن الأهل والجيران والحياة هنا وهناك ، وكنت ألاحظ الخضرة تحوطنا ، وأشم رائحة الزرع حينما يتعطر بندى المساء، فقد بدأت الشمس في الغروب ، وبدأت سرعة السيارة تهدأ .. حتى توقفت أمام كوخ من طابقين .. هو بسيط ولكنه أنيق وينبيء عن ذوق فرنسي أصيل.

وعلمت من جاسم أن هذا الكوخ يتوسط مزرعة عنب وهما ملك لعائلة فرنسية ، وتؤجر بعضاً من غرف هذا الكوخ على سبيل الإقامة الكاملة لمن يدرسون بمدينة ليون ، وأن غرفة جاسم لايشاركه فيه أحد.. يكفيه أدوات الرسم واللوحات المتناثرة هنا وهناك ، وضعت الحقيبة في إحدى الزوايا، وطلب مني جاسم الاستعداد للنزول للطابق الأرضي لنتناول معهم وجبة العشاء (وفي ذات الوقت الإفطار بالنسبة لي فما زال لرمضان ثلاث ليال) ، ونزلت بصحبة جاسم وسمعت همهمة وضحكات رقيقة من خمسة أفراد يتحلقون حول مائدة خشبية عامرة بالطعام والشراب، وجلست .. وبدأ جاسم يعرفني بالحضور .. مسيو ريمون (صاحب الكوخ والمزرعة) .. مدام روشيه (زوجته).. ومدموازيل مارسيل (ابنته) ، ثم أشار إلى ليزا (هولندية) وأخيراً إلى ماري (بلجيكية) .. طالبتان تدرسان بمدينة ليون ..
بعد ذلك قامت زوجة السيد ريمون في غرف أطباقنا والسيد ريمون يصب بعضاً من الشراب، فهمست بأذن جاسم ببعض الكلمات ، ليترجمها بعبارات فرنسية معناها أنني أعتذر منهم عن عدم تناول اللحوم والمشروبات الكحولية، فعلقت ماري بكلمة واحدة : مسلم !! فأومأت لها برأسي مؤكداً على ذلك.. فوقعت عيني بعيناها .. ووجدت بريقاً رأيته من قبل ، ولكن في نظرات من كنت أتعرق لرؤياها في الصغر ، ولأول مرة أدقق في هيئة ماري، هي تميل للسمرة ..ذات شعر طويل وناعم، وأهم ما يميزها .. بسمة وضحكة طفولية ، كان عشاءً مربكاً .. فكلما مددت يدي لأحد الأصناف أسأل جاسم عنه وعن مكوناته ، وأستأذنتهم في اصطحاب بعض الأجبان والخبز والماء لغرفة جاسم، ووافق السيد ريمون وأعتبره بسبب خجلي من الأكل معهم وإجهاد السفر، ورغبتي في الراحة ، شكرت جميع الحضور (بما تيسر من الإنجليزية) ، وعادت أعيننا للتلاقي مرة أخرى ، وصعدت مع جاسم لغرفته ، وجلسنا نسترجع ذكرياتنا مع زملاء الدراسة ، وأحوال الأهل والكرة والسياسة و.. و..، وفجأة سمعت ذات الضحكات الطفولية .. فصمت ، وأرهفت السمع .. فقام جاسم بتوضيح الموقف، هذه ماري التي صافحتها أثناء العشاء، أنها تقيم إلى جوارنا مع ليزا ، قاطعته بدهشة .. بجوارنا؟ قال : نعم .. وما يفصلنا عنهما سوى جدار خشبي رقيق لو ضربته بقبضتك لتفسخ !!

::

::



::


::
شعرت بالحرج للوهلة الأولى .. ثم أخرجت (ساعة منبه) وأخذت أحرك مفاتيح ضبط الوقت على وقت السحور حسب توقيت مدينة ليون، وأثناء ذلك خطف جاسم "الساعة المنبه" مني ، ونظر لإشارة ضبط الوقت .. وصاح : الثالثة فجراً .. أمجنون أنت ؟ أين ستذهب في هذا الوقت المبكر؟ فأجبته بتلقائية: لتناول السحور .. وأشرت بيدي للأجبان والخبز .. ثم لصلاة الفجر ..!! أنسيت ياجاسم أننا برمضان؟
أسند جاسم ظهرة لجدار الغرفة ورد عليّ بتهكم : وألسنا على سفر .. فعدة من أيام أخر .. و..
فقاطعته : أنت ياجاسم على سفر منذ خمس سنوات، أيعني هذا أنك لم تصم خلالها أشهر رمضان؟
هنا أعتدل جاسم في جلسته ونظر لأرضية الغرفة وقال بصوت خفيض: صمت عامين وانقطعت ثلاثة..!! الدنيا هنا غير الدنيا عندكم .. هنا حرية في كل شيء
فقمت وربّت على كتفيه قائلاً له : وهل الحرية عندكم .. هي حرية فعل الخطأ ، جاسم .. أدري أنك وحدك هنا ولا أحد من الأهل يراك، وكنت للحظات أحسدك على ذلك، لديك الخيار لتفعل كل ما تريد .. كل الممنوعات .. ميسرة، جاسم .. لن أضيّع بهجة لقائنا في الخطب ، لكن دعني بحريتي أتم شهر الصيام.. لكم دينكم ولي ديني.
تنهد جاسم ووجدها فرصة لإنهاء هذا المأزق وقال :الحين صار لك دين غير الذي عندي، ووضعتني في خانة أخرى معهم ، زين.. أعتقد أنك تريد النوم ، سآتي لك بما يقيك برد ليون .
وهنا شكرته على صنيعه .. معتذراً عن هذا المعنى الذي تطرق لذهنه ، ووضعت رأسي على الوسادة وبجانبها (الساعة المنبه) ، لأضمن سرعة التيقظ دون إزعاج لأحد داخل .. أو خارج الغرفة.
::

::
وفي الثالثة صباحاً.. دق الجرس ، فقمت من فوري .. مسرعاً ولم أنتبه للرف المعلق فوق رأسي، فارتطمت به وأوقعت ما عليه من أغراض محدثاً جلبة لا بأس بها، وأخذت ألملم الأغراض قبل استيقاظ جاسم ، والذي شعرت بتقلبه وتحريك رأسه .. دون أن ينهض ..
وضعت الجبن والخبز وبدأت في السحور .. لم أستغرق سوى دقائق معدودات ، ونظرت للساعة .. وعلمت أن لم يبق على صلاة الفجر –بتوقيت هذه المدينة- سوى نصف ساعة ، فخرجت من الغرفة باحثاً عن مياه للوضوء .. وأخذت أدعو الله .. ألا أخطأ فأفتح غرفة ماري وليزا بدلاً من (دورة المياه) التي أبحث عنها .. وأخذت أسترجع شريط الأحداث مع جاسم وأدركت أن ما أبحث عنه سيكون على يسار غرفتنا ، وذهبت للمكان المأمول .. ووجدت الباب مغلقاً .. فطرقت عليه .. ولما لم يرد أحد .. حركت مقبض الباب .. وتحسست زر الضوء .. و ..

::

[نهاية الفصل الأول - يتبع]
ملحق #1
عالم المعلومات
كرم

حتى لا يمل الأعضاء .. أستأذنكم في نشر فصل كل يوم ، باق فصلين !!
ملحق #2
أشواق الغد
حتى لا يمل الأعضاء ... أستأذنكم في نشر فصل كل يوم ، باق فصلين !!
ملحق #3
نية صافية
جزاكم الله خيراً .. أفكر بنشر بعض القصص
القصيرة مع بعض الخواطر بكتاب قريباً ....
ملحق #4
نية صافية
ما يمنعني .... هو احترامي لرسالة وأهداف الموقع وعدم تحويله لمنتدى أدبي
وعلى هذا الرابط نشرت بعض خواطري http://www.ejaaba.com/label/716
ملحق #5
كرم
أكرمك الله بالخير حيثما كنت ، لقد لمست وتراً حساساً
بذكرك للوالدين ، أصلح الله بالك ورزقك كل ما تتمنى !
ملحق #6
بوفارديا
غداً إن شاء الله .. نستكمل معكم الفصل
الثاني ... شكراً لمروركم الكريم .....!!!!
ملحق #7
وردة الياسمين
بمشيئة الله .. مساء اليوم أنشر الفصل الثاني من القصة
ملحق #8
أم وليد
جزاكم الله خيراً على هذه العبــــارات الطيبة
وعند نشر الفصل الثاني ، أتشرف بإعلامكم
ملحق #9
طارق الدستوري
مساء اليوم أنشر الفصل الثاني
شكراً لتشجيعك وتحفيزك ....!
ملحق #10
بيانا
منكم تعلمنا .. بعد ساعات قليلة أنشر
الفصل الثاني .. إن شاء الله ..فتابعونا
ملحق #11
تم بفضل الله نشر الفصل الثاني ............
http://www.ejaaba.com/topic/465839
ملحق #12
دمع الندى
ان شاء الله تحوز على اعجابك
ملحق #13
عروس المطر
مرورك وكلماتك لهما وقع خاص ، شكراً لتلبية الدعوة!!
ملحق #14
زهرة الوادي
ازدانت القصة بتعليقكم !
ملحق #15
awakeإن شاء الله تكون الأحداث مشوقة .. !
ملحق #16
awakeهي تجربة حقيقية عشتــــها بنفس الأماكن
لكن صغتها بحبكة درامية وأسماء جديدة
ملحق #17
صلاح::
الأروع مرورك الكريم يا أخي الكريم صلاح
ضحكت عندما أنهيت قراءة الفصل الأول.. فلديك طريقة رائعة لتشويق قرائك ^___^
ما علينا.. سأنضم لحلقة الأعضاء المتحمسين للفصول الباقية من القصة.. يعطيكم العافية.
يا الله ,,,, قصه جميله جداً ومشوووقه
في الانتظار بفارغ الصبر :):)
براحتك دكتور :)
ولكن صدقني كمجرب اقولها بصدق
من قرأ كلماتك وفهمها لن يجد طريقاً للملل
في انتظار التكمله بفارغ الصبر
شكراً جزيلاً لك على مجهودك الرائع ,,,
ابدعت فيما كتبت :):)
الله يوفقك في مبتغاك وينور طريقك
ويرحم والديك اللذان زرعا فيك حسن التربيه والاخلاق الحميده
كل الاحترام
انت فخر لهم ولنا ولامتنا يا ريت الكل مثلك
الله يبارك ويزيد من امثالك :)
شوقتنا يا دكتور عليك بالاسراع في الفصل الثاني
معاك يا دكتر هيييه وبعدين +++
أهنيك دكتور على طرحك للقصة واتمنى ان تطرحها في كتاب
وهذا جانب مشرق من حياة دكتورنا !
لماذا لماذا !؟ لماذا لم تكمل ..
ماكنت أفعله جاء من يغيظني به !!!! انتظر امري لله
جممممييييله

بدي اروح.اقرء الجزء التاني ^____^
والله حلوة كتير

اسلوب الكتابه بخليني اروح بعالم تاني واتخيلت كل اشي اتخيلت الكوخ والمول وماري وجاسم وانت والعشاء وكل إشي ^^

متشوقه للتكمله ^^
ما شاء الله جميلة ومشوقة
بانتظار المزيد
بارك الله فيكم ...
جميل ورائع دكتور اتمنالك التوفيق
ولدي طلب ان تنشر بين فترة وفترة ومتى ما ساعدك وقتك على نشر قصصك وخواطرك ! شيئ يحمسنا ويشجعنا رؤية مبدع معانا في الموقع نستفيد منه
قصيرة
جميلة القصة تخيلت نفسي معكم

ننتظر الجزء الثاني
فعلا رائعة حمستنا يادكتورنا متى سيكون الجزء الثاني ؟
أسلوب جميل ومشوق
كلمات حلوة و عواطف انسانية تعبر عن احساس مرهف
قصتك رائعة شدتنا باسلوبها الجميل المشوق تسلم يمينك ...
شكرا لك دكتور على هذه القصة الجميلة
التي تلامس القلب من شدة روعتها و تميزها
سردك للاحداث و تفاصيلها رائع ما شاء الله
هي عنك ام البطل مجرد خيال ؟
نعم
القصة بها نكهة احترافية
جميل جدًا ورائع