القرارات التي اتخذت بواسطة اللاوعي !

ما هي النسبة المئوية لقراراتك التي تعتقد أنها اتخذت بواسطة اللاوعي؟

مثلا إذا ما ارتكب شخص ما جريمة وقال في المحكمة: "لم أقم بذلك عن قصد، لم أكن قادرا على التفكير حينها. كانت استجابة تلقائية". نعترف بأقوالهم وقد نميل إلى اعتبارهم أقل مسؤولية عن أفعالهم التي ارتكبوها. وربما نشعر أنهم لم يكونوا "هم أنفسهم" من ارتكبوا ذلك على الإطلاق. ومع ذلك، إذا كان لدى عقولنا أكثرمن وضعيْن واضحين، فإن تحديد متى يكون شيء ما مقصودًا وجديرًا باللوم يغدو أمرا أكثر صعوبة.

فلنأخذ اللغة مثالا على ذلك: نحن نتواصل عمدا، لكننا لا نتدرب في خضم المحادثة بشأن ما سنقوله أو القواعد النحوية التي نحتاج إلى استخدامها؛ إنه متعمد ولا واعٍ في آنٍ واحد. ويمكن قول الشيء نفسه عن قيادة السيارة في طريق مألوف أو الكتابة،يمكننا حتى حل مشاكل جديدة دون أن ندرك كيف نفعل ذلك.



أظهرتْ بحوثُ العقل اللاواعي أن الدماغ يُصدر أحكامًا وقرارات بسرعة وتلقائية، ويصنع توقعاتٍ بشكل مستمرّ بخصوص الأحداث المستقبلية.
طبقًا لنظرية "العقل المتنبّئ"، ينشأ الوعي فقط عندما تفشل توقعات الدماغ الضمنية في التجسّد.
العمليات الإدراكية العليا في القشرة المخية يمكن أن تحدث دون وعي، ومناطق الدماغ المسؤولة عن المشاعر والدوافع هي التي توجّه انتباهنا الواعي، لا القشرة المخية.



العقل التنبؤي

يوجد نموذج ثوري مخالف لنموذج فرويد، أصبح مقبولًا الآن على نطاق واسع، يُعرَف باسم نموذج "العقل التنبؤي".

تُقدَّم تلك النظرية بنكهات مختلفة، غير أنها تقضي إجمالًا بأن العمليات التلقائية تلعب دورًا مركزيًّا في العقل، وهو ما يسمح لنا بالتنبؤ بالأحداث بسرعة ودقة حالما تنشأ.

يعمل التعلّم والخبرة والوعي بشكل مستمرّ على تحسين توقعاتنا الضمنية أو غير الواعية، ولا نلحظ الأحداث إلا عندما تفشل التوقعات، أي إننا نصبح واعين بالظروف عندما تستحق اهتمامنا، وهذه التلقائية تُمكّننا من العمل بسلاسة داخل العالم، كما أن وعينا الذي يتحقق عندما تفشل التوقعات يُمَكِّننا من تجنب مشكلات المعالجة التلقائية ومن التكيّف مع التغيرات في بيئتنا، وفي مثال مبسط، تتنبأ العمليات اللاواعية بمسار الكرة المقذوفة إلينا، وتعدِّل حركة أطرافنا تبعًا لذلك، أما المعالجة الواعية فستبدأ بالعمل إذا ما انعطفت الكرة بزاوية قائمة فجأة.

ومثل التصوّر الشائع عن العقل المليء بالصراعات، فإن منظور العقل التنبؤي ترجع جذوره إلى بدايات القرن التاسع عشر. كان الطبيب وعالم الفيسيولوجي هيرمان فون هلمهولتز أول من افترض أن النتائج التي نتوصل إليها تلقائيًّا ترتكز على الإدراك، على سبيل المثال، ينتج الجهاز البصري لدينا مثلثًا تخيليًّا عندما نرى ثلاث دوائر مقطوع منها شرائح وموضوعة بشكل معين.

وطبقا لهلمهولتز فمثل هذه الأوهام المفيدة أثبتت أن الآليات المبرمَجة مسبقًا تُشكِّل رؤيتنا عن العالم دون أي جهد منا على الإطلاق، والآن يفترض نموذج العقل التنبؤي أن هذه التلقائية لا تُشكِّل إدراكنا فحسب، بل تشكِّل جميع العمليات العقلية، بما فيها أحكامنا وقراراتنا وأفعالنا.