الاحسان : الاحسان الى الجار .

1 172 1 5

فلسفات

إن من أعظم ما عُنِيَ به الإسلام تنظيمَ حياة المُجتمع المُسلم في دوائِر مُتكاملة تتَّسِع شيئًا فشيئًا،
حتى تنتظِم المُجتمع كلَّه، بدءً من حقوق الوالدين، ثم الأقارب، ثم تتَّسِع لتشملَ الجيران والأصدقاء
والمعارف، ثم تمتدّ لتتَّصِلَ بالغُرباء وغير المُسلمين.

وهذه وقفةٌ مع إحدى هذه الدوائر والحلقات، تُجسّد هذا التعاوُن، وتُصوِّر هذه الرابطة الإسلامية بكل
معانيها ووسائلها ومقاصِدها، إنها: دائرةُ الجوار وحقوق الجيران.
ذلكم أن توثيق العلاقات مع المُجتمع القريب في البيت والحي هو المُقدَّم؛ لأنه هو الأقدرُ والأقربُ والأسرعُ
لتحقيق التكامُل في وقته المُناسِب، وتقدير النفع في صورته البارزة.
الجيرانُ يعرفُ بعضُهم أحوال بعض، ويُحيطُ بعضُهم بأسرار بعض، يعرفون ما يدخل وما يخرُج، ويطَّلِعون
على العورات، ويُشاهِدون الغادِي والرائِح، ويسمَعون الأصوات، ويشمُّون الروائِح. يبلُغُهم ما يجري من وفاقٍ
وخِصام، وخلافٍ وئام، لا تُحجَبُ عنهم ذخائرُ البيوت، ولا تغيبُ عنهم خفايا الأُسَر.

والجوارُ في معناه – حفظكم الله – يُعبَّر به عن كلِّ ما يعظُم حقُّه عقلاً وشرعًا، ولهذا يُقال: استجارَ به وأجارَه
. وربُّنا – عزَّ شأنُه – لكمال ربوبيَّته وعلوّ مقامه هو وحده الذي يُجيرُ ولا يُجارُ عليه.




فالجارُ – حفظكم الله – سُمِّي جارًا لأنه يُجيرُ صاحبَه ويدفع عنه السوء والأذى، ويجلبُ له الخيرَ والنفع.
والجيرانُ أنواعٌ ومراتبٌ، بعضُها ألصَق من بعض. يقول الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: “الجارُ يشملُ المُسلمَ والكافرَ،
والعبادَ والفاسِق، والصديق والعدو، والقريب والغريب، والأقرب دارًا والأبعد. ولهم مراتب بعضُها أعلى من بعضٍ، فأعلاها
من اجتمعت فيه الصفاتُ الأولى كلُّها، ثم أكثرها، وهكذا، وعكسُه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى، فيُعطَى بحسبِه”.

وقال أهل العلم: “ينبغي توسيعةُ دائرة الصِّلة بالجوار ما أمكن”.
يقول عليٌّ – رضي الله عنه -: “من سمِع النداء فهو جارُه”.
ومنه حديث: «لا صلاة لجار المسجِد إلا في المسجد».
ويقول الأوزاعي – رحمه الله -: “حدُّ الجوار أربعون دارًا من كل ناحية”.






فضل الإحسان إلى الجار في الإسلام :

لقد عظَّم الإسلام حق الجار، وظل جبريل عليه السلام يوصي نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بالجار
حتى ظنَّ النبي أن الشرع سيأتي بتوريث الجار: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثه".
وقد أوصى القرآن بالإحسان إلى الجار: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)[النساء:36].


وانظر كيف حض النبي صلى الله عليه وسلم على الإحسان إلى الجار وإكرامه: "...ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم جاره". وعند مسلم: "فليحسن إلى جاره".

بل وصل الأمر إلى درجة جعل فيها الشرع محبة الخير للجيران من الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم:
"والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه".

والذي يحسن إلى جاره هو خير الناس عند الله: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران
عند الله خيرهم لجاره".

من حقوق الجار؟
من حقوق الجار:

لا شك أن الجار له حقوق كثيرة نشير إلى بعضها، فمن أهم هذه الحقوق:

1- رد السلام وإجابة الدعوة:

وهذه وإن كانت من الحقوق العامة للمسلمين بعضهم على بعض، إلا أنها تتأكد في حق الجيران لما لها من
آثار طيبة في إشاعة روح الألفة والمودة.


2- كف الأذى عنه:

نعم فهذا الحق من أعظم حقوق الجيران، والأذى وإن كان حرامًا بصفة عامة فإن حرمته تشتد إذا كان متوجهًا إلى
الجار، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أذية الجار أشد التحذير وتنوعت أساليبه في ذلك، واقرأ معي هذه
الأحاديث التي خرجت من فم المصطفى صلى الله عليه وسلم:

· "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: مَن لا يأمن جاره بوائقه".

· ولما قيل له: يا رسول الله! إن فلانة تصلي الليل وتصوم النهار، وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها. قال: "لا خير فيها، هي في النار".

"لا يدخل الجنة مَن لا يأمن جاره بوائقه".

· وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه أذى جاره. فقال: "اطرح متاعك في الطريق". ففعل؛ وجعل الناس
يمرون به ويسألونه. فإذا علموا بأذى جاره له لعنوا ذلك الجار. فجاء هذا الجار السيئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يشكو أن الناس يلعنونه. فقال صلى الله عليه وسلم: "فقد لعنك الله قبل الناس".


3- تحمل أذى الجار:

وإنها والله لواحدة من شيم الكرام ذوي المروءات والهمم العالية، إذ يستطيع كثير من الناس أن يكف أذاه عن الآخرين،
لكن أن يتحمل أذاهم صابرًا محتسبًا فهذه درجة عالية: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ)[المؤمنون:96]. ويقول الله تعالى
: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)[الشورى:43]. وقد ورد عن الحسن – رحمه الله – قوله: ليس حُسْنُ الجوار
كفّ الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى.


4- تفقده وقضاء حوائجه:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم". وإن الصالحين كانوا
يتفقدون جيرانهم ويسعون في قضاء حوائجهم، فقد كانت الهدية تأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيبعث
بها إلى جاره، ويبعث بها الجار إلى جار آخر، وهكذا تدور على أكثر من عشرة دور حتى ترجع إلى الأول.


5- ستره وصيانة عرضه:

وإن هذه لمن أوكد الحقوق، فبحكم الجوار قد يطَّلع الجار على بعض أمور جاره فينبغي أن يوطن نفسه على ستر جاره مستحضرًا
أنه إن فعل ذلك ستره الله في الدنيا والآخرة، أما إن هتك ستره فقد عرَّض نفسه لجزاء من جنس عمله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت:46].




احسنت النشر
للجار حق علينا
×