أسرار العباقرة


غالبا ما تعد العبقرية ظاهرة غريبة وغامضة وانها لكذلك فعلا , فمن ذا الذي يستطيع تفسير روائع الفن والأدب والموسيقى والعلم والتكنولوجيا والفلسفة وغيرها من حقول الابداع التي اغنت تاريخ البشرية بل وغيرته احيانا؟ ياتری ماالذي يلهم العقول المبدعة؟
انصرف الدارسون على مر العصور الى معرفة السر في تلك الاعمال الابداعية فوجدو خيطا مشتركا يجمع بينها وهو ان المبدعين ينسبون اعمالهم المتميزة الى مصادر خارج انفسهم ويزعمون أن اكتشافاتهم وقصائدهم ومقطوعاتهم الموسيقية تمنح لهم منحا او انها قد اقحمت عليهم اقحاما وانهم ليسو غیر ادوات تستخدمها سلطة مجهولة , ولعل خير وسيلة لتوضيح ذلك هي استعراض الأمثلة على ماذكرنا.
كان الشاعر الانكليزي (بيرسي بيسش شيلي) موجودا ذات يوم مع صديقه تريلوني بين اشجار الصنوبر في مدينة بيزا الايطالية واحدی مخطوطاته ملقاة الى جانبه يصف تريلوني كيف كانت كلماتها مكتوبة على نحو عاجل اخرق وقد صححها شیلي مرة بعد اخرى اثناء ماكان يجاهد لتسجيل الرؤى والكلمات التي تغلي في عقله , يقول شيلي موضحا: "ليس الشعر مثل التفكير المنطقي حتى يمكن التحكم به ، ولا احد يستطيع أن يقول ساكتب شعرا مهما كانت قوة شاعريته"
اما (فولفكانك فون کوته) فيقول ان قصائده الغنائية هي التي صنعته وليس هو الذي صنعها. وكان (وليام ووردسورث) قادرا على اختبار عقله في نوبات كتابته فنراه كثيرا ما تحدث في شعره عن الغزو السامي للمادة
يقول الباحث النفساني (ف.هـ مایرز) : "ذلك الحث يظهر من مصدر يتعذر اكتشافه يجفل العقل احيانا ويذهله ثم ما يلبث أن يصبح مصدرا معرفيا يتكون من خلال الرؤيا الداخلية وتبقى حواس الشخص معلقة في غيبوبة مؤقتة" .
كانت الروائية الانكليزية اليوت تعتقد أنها عندما تكتب احسن اعمالها فان شخصية اخرى هي التي تسيطر عليها وتملي عليها كتابتها مثلما تمليها على سكرتيرة. واكدت الفرنسية صاند الشيء نفسه فيما يتعلق بكتاباتها وكتبت وصفا للصراع الإبداعي الذي كان يعانيه الموسيقار (فردريك شوبان) حين يسجل نوطاته على الورق قائلة أن عمله عبارة عن سلسلة جهود مضنية مترددة حائرة يبذلها للامساك بتفاصيل اللحن الذي سمعه وانه كان يحبس نفسه في حجرته اياما بكاملها يبكي ويمشي ويكسر اقلامه ويكرر ويغير الفاصلة الموسيقية الواحدة مائة مرة .
تحدث بعض المؤلفين المعروفين عن عفاريت وجنيات قالو انها هي مصدر الهامهم , فقد قال الانكليزي (روديارد كبلنك) انه تعلم ان يثق بـ (عفريته) الشخصي لغرض النصيحة , وكتب الانكليزي ايضا (وليام ثاکري) قائلا: "لقد أدهشتني الملاحظات التي أبدتها بعض شخصیاتي ويبدو آن قوة غامضة هي التي كانت تحرك قلمي"
اما (روبرت لويس ستيفنسون) فقد حصل على المع مواده الأدبية من أحلامه ولعل من أبرزها قصته القصيرة ذائعة الصيت (الدكتور جایكل والمستر هايد) التي جسد فيها القوى المظلمة والشريرة التي يمكن أن تحكم اللاشعور. وعن الدور الذي تؤديه (جنیاته) في نتاجه الأدبي قال: "كلما فكرت بالامر اشتد دافعي لأن اطرح على العالم سؤالي من هم الناس الصغار هؤلاء؟ انهم بلاشك على صلة وثيقة بالاشخاص الذين يحلم بهم الحالم يشاركونه مخاوفه المالية ويحرسون دفتر شيكاته ويشاركونه ايضا في تدريبه... لكني اعتقد انهم اكثر منه موهبة وانهم بلا شك يحكون له القصة شيئا فشيئا مثل حلقات مسلسلة ويبقونه جاهلا لايدري الى اين يهدفون... ان ذلك الجزء من كتاباتي الذي انجزه اثناء نومي هو الخاص بالجنيات بدون جدال واما ذلك الذي انجزه اثناء يقظتي فليس بالضرورة خاصا بي على الاطلاق لأن كل شيء يدل على أن للجنيات يدا فيه حتى حينذاك"
وسقراط الذي يعد واحدا من اعظم مفكري العالم غالبأ ماكان يوجهه وينصحه في شؤونه صوت تحذيري يسميه (العلامة المقدسة) احيانا و (الصوت المقدس) حينأ و (العفريت) حينا آخر وقد ادعى ان هذا الصوت قد حذره عدة مرات من اعمال كان ينوي القيام بها وانه كان يؤمن دائما بان ذلك الصوت على حق والغريب في هذا المرشد الغامض انه يوحي فقط بما لايجب ان يفعله الفيلسوف وليس بما يجب أن يفعله , حتى أن سقراط كان يشعر بصواب قراره اذا بقي الصوت ساكنا. وفي ايامه الأخيرة حين طالب اعداؤه بقتله استمد القوة والطمأنينة من كون ذلك الصوت قد تدخل مرة واحدة فقط اذ نصحه الا يعد خطابا للدفاع عن نفسه.
ولا يكاد احد يعترض على ان موزارت الذي الف اصعب (كونشرتو بیانو) وهو في الرابعة من عمره كان من اكبر عباقرة الموسيقى في العالم. هو الآخر يفسر عبقريته تفسيرا مشابها فقد كان (متلقيا) أو (أداة) تأتيها الموسيقى الرائعة من قوة مجهولة . كما ان هناك علماء كبارة ايضا اعترفو بتلقي المساعدة من مصدر مجهول من مصادر الالهام , من هؤلاء (کیکوليه) الذي يعرف بانه ابو الكيمياء العضوية البنائية , فبعد جهود مضنية فاشلة بذلها لتحديد طبيعة جزيء البنزين مر بحالة حلم يقظة اثناء تنقله في احدى حافلات لندن اذ تراءت له الذرات وهي تجمع نفسها على شكل افعى في الفراغ فكانت تلك هي القفزة التي مكنته من حل مشكلته.
كما تحدث (برتراند رسل) عن ابداعاته في الرياضيات قائلا : "في كل ليلة تنتهي مناقشاتي الرياضية بعقبة ما، وفي كل صباح اجد ان عقبة الليلة الفائتة قد ذللت نفسها وانا نائم". وكان اللورد كلفن يتمتع بموهبة حدسية ملحوظة فقد كانت الحلول تأتيه في ومضة الهام ومن ثم يجهد نفسه بوعي لايجاد الأدلة عليها. وانشتاین ايضا رأی حلولا لمشاكله بمثل هذه الطريقة.
هناك كثير جدا من العباقرة الذين يزعمون أن أعمالهم تمنح لهم بطريقة او باخرى حتى لايمكننا ان نتجاهل احتمال كونهم يقولون الحقيقة او يدنون منها في اقل تقدير وسواء اشارو الى جنيات او عفاريت او آليات لاواعية فان الامر يبدو أن هناك لاعبا او لاعبين كثيرين على الجانب الاخر من حدود وعيهم يلهمونهم ويعلمونهم ويرشدونهم تواقين الى مساعدتهم في صراعاتهم الابداعية... وهكذا فان كلمة (عبقري) احسن ماتلائم اولئك الأشخاص الذين عندما يخترق الالهام وعيهم حين تكون الحواجز منخفضة تكون لديهم قدرات على صياغة مامنح لهم في اشكال تنال الاعتراف والاعجاب على نطاق واسع.
ثمة حالات عديدة يبدو فيها ان الالهام يستفيد من قدرة التلقي التي يتمتع بها الموهوب وهو نائم او وهو مستيقظ لتوه من النوم... فقد كان البروفسور (وليام أ.لامبرتون) من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة يسعى لحل احدی مسائل الهندسة الوصفية , وبعد ان تصارع معها نحو اسبوعين وضعها جانبا واشغل نفسه في الاسبوع التالي بشؤون اخرى مختلفة عن مسألته كل الاختلاف ثم منح له الحل المنشود باغرب الطرق ، اذ نهض ذات صباح ليجد صورة هندسية مرسومة بوضوح على الجدار الشمالي لغرفته التي كانت فيما مضى صفا مدرسيا والتي ماتزال فيها اثار السبورة مرئية تحت صبغ الجدار الابيض , تلك الهلوسة لم تكتف باتخاذ شکل بیان هندسي للمسالة فحسب بل انها كاملت مابين الخطوط المساعدة التي وضحت الحل , فما كان من البرفيسور لامبرتون الا ان وثب من سريره ورسم الصورة على الورق وكتب فيما بعد يقول: "لاحاجة الى القول ان الحل الهندسي ما ان جاءني بهذه الطريقة حتى لم تبق هناك غير بضع دقائق احتاجها للتحليل" .
يتعين على العباقرة كما يتضح من تلك الامثلة وفي معظم الحالات ان ينجزو بقية عملهم الكادح بانفسهم اي ان على انفسهم الواعية أن تكدح من اجل المادة قبل وبعد ان يتدخل اللاعب الموجود على الجانب الاخر . والى هنا ثمة حقيقة في القول ان العبقري هو ۱۰٪ الهام و ۹۰٪ كدح ولكن این ياتری یکمن مصدر الإلهام ان صح التعبير؟ ليس هناك من جواب قاطع ولكن ثمة مفاتيح عديدة تقودنا إلى نماذج تجريبية للعبقرية .
يجب ان نقبل بان شخصيتنا الواعية لاتزيد كثيرا عن جزء صغير من النفس الإنسانية أو الشخصية وأن معظم انفسنا هو خارج الوعي. لقد سمی (ف.هـ.مایرز) المراحل الأخرى من الشخصية بـ (دون الوعي) اي الأجزاء الموجودة تحت عتبة الوعي. ومن التعريفات الضيقة لما دون الوعي او اللاوعي كونه يحوي كل ما لايمسكه الوعي بما في ذلك ذاكرتنا ولكن مثل مایرز فان (وليام جيمس) و(كارل کوستاف يونك) وكل من قال بتعقيد الشخصية الانسانية قد اكدو ان ما دون الوعي هو اكثر من هذا بكثير , انه يندمج مع ما اسماه يونك باللاوعي الجمعي الذي يتاثر بدرجة او باخرى بكل الرجال والنساء والذي يؤثر بهم هو الاخر ببنائه ودوافعه والدليل على أن شخصية انسان ما لیست نظاما مغلقا لااثناء الوعي ولا اثناء اللاوعي انما تقدمه ظواهر التخاطر والاستبصار وحالات الاستحواذ الظاهرية التي تشاهد في حالات الغيبوبة التي يمر بها الوسطاء الروحانيون واما الهام العبقرية فيمكن عده مجرد دلیل اخر على وجود هذه القارة الكبيرة المجهولة التي تسير لأغراضها الخاصة نحو الانسان كونه اللاعب الموجود على الجانب الاخر .
ملحق #1
طالب طلب طالب طالباختصار الموضوع في جملة واحدة : المبدعون يأتيهم الالهام
(أفضل إجابة)
رائع شكرا لك من فضلك احمد اجعل كتاباتك مختصره انا ارغب بالقرائه لكن مواضيع مطوله دون اجزاء سوف تكون وكأننا نقرء جريده لكن إذا اجزاء اولا سوف يكون متعه للقارئ اتمنا لك توفيق حبيبي
من الافضل اختصار الموضوع
من الافضل اختصار الموضوع